التيار السوري الديمقراطي                            

                                               

 

01/07/2006                                                                               الصفحة الرئيسية   اتصل بنا   من نحن     

 
 
موساد عربي
حكم البابا


لا أفهم لماذا تم تضخيم خبر اكتشاف شبكة الموساد الاسرائيلي في لبنان إعلامياً بهذا الشكل والحجم المبالغ بهما، إلا على أنه محاولة عربية لدخول فضاء الاكتشافات العالمية وتسجيل إحداها باسمهم، مثل اكتشاف نيوتن للجاذبية الأرضية، أو أنيشتاين للنظرية النسبية، أو كريستوف كولومبوس للقارة الأمريكية، ولأنه لم تعد على الأرض العربية مؤسسات صاحبة فعالية ونشاط حقيقي إلا أجهزة المخابرات، ولأن المخابرات بسبب طبيعة عملها ليست قادرة على تقديم أي اكتشاف جديد للعالم في الطب أو الفلك أو الهندسة، واكتشافاتها لاتتعدى القبض على عصابات اللصوص والقتله، والعثور على شبكات ارهابية، والاعلان عن اكتشاف عناصر تجسس، والمساعدة في ايجاد أمكنة اختفاء صدام حسين وأبو مصعب الزرقاوي، فقد اعتبر الذي طبلوا وزمروا لاكتشاف عناصر شبكة الموساد الاسرائيلية في لبنان انجازاً عربياً يستحق الضجيج الإعلامي الذي أحاطوا به حدثهم.
بالنسبة لي وعلى عكس الاحتفاء الذي قوبل به هذا الاكتشاف الأمني إعلاميا لا أعتبره استثنائياً أو مفاجئاً أو مدهشاً، ولايملك من الأهمية مايجعله يستحق إحاطته بهذه الهالة من القداسة، كما لو أنه اكتشاف لسر الخلود، فكل ماقامت به هذه الشبكة من اغتيالات وتفجيرات، يقدمها على أنها شبكة متواضعة وبسيطة، لاقيمة لها إذا ماقورنت بخلايا الموساد الرسمية العلنية التي تعمل وتنشط جهاراً في وضح النهار، وتحت الشمس الساطعة، في كل أرجاء الوطن العربي، وعلى كامل أراضيه، وربما لنفس أسبابي لم يبد المواطن العربي اهتماماً كبيراً باكتشافها، ولم يشغل عقله بالتفكير بمدى إجرام جهاز الموساد الاسرائيلي، ولم يدفعه حتى فضوله الطبيعي ليتساءل عن الطريقة التي قبضت فيها أجهزة الأمن اللبنانية على عملاء الموساد الصغار في لبنان!
فبنظرة سريعة على مايجري على الأرض العربية من أخفض سهولها إلى أعلى جبالها يمكن فهم الدور الحقيقي الذي يلعبه الموساد الاسرائيلي (وهو أبعد من تجنيده لبعض العناصر)، والعمليات الكبرى التي ينفذها (وهي أكبر من مجموعة تفجيرات)، والجرائم الخطيرة التي يرتكبها (وهي أهم من عدة اغتيالات)، فكل ما تقوم به السلطات العربية من تهشيم لمواطنيها، ومصادرة لحرياتهم، وإلغاء لآرائهم، واستيلاء على إرادتهم، وإفقارهم وإذلالهم وتجويعهم، ومقايضتها لعقولهم بمعداتهم، لا يمكن تفسيره خارج خطط الموساد، ولايجوز النظر إلى كل الفساد العربي الذي يعتبر القانون الوحيد الساري -دون تجاوزات أو خرق-، والذي يحكم كل المشاريع التي تنفذ على الأرض العربية بدون ارتباطه بالسياسات العليا للموساد، ولا يمكن قراءة وجود هذه المجموعة المركبة من الزعامات العربية، التي تختلف في كل شيء ولاتتفق إلا في دفاع كل منها عن كرسي الأخر بدون استراتيجية عليا للموساد.
كنت بالتأكيد سأشارك الفرحين فرحهم فيما لو تم الكشف عن شبكة من شبكات الموساد الكبيرة التي تتحكم في سياسات العالم العربي، وتنفذ عملياتها علناً بدون حاجة لعلبة مكيف هواء مموه تنقل فيه متفجراتها، أو لدرج سري في طاولة تلفزيون تخبئ به أجهزة اتصالاتها المتطورة، أو لبدلات عسكرية مزيفة برتب صغيرة كونها المصدر الأساسي لهذه البدلات، وتملك كل الرتب، وجرائمها تتعدى اغتيال هذا أو تفجير ذاك، فكل سجن عربي أقيم بأمر من الموساد، وكل سجين قضية أو رأي أغلقت عليه الزنزانه بقرار من الموساد، وكل منفي عربي سفّر بالتعاون مع الموساد، أما أن يختصر الموساد بحفنة صعاليك، مع بعض عدة الشغل التجسسية التي تكاد تشبه عدة السحرة أو المشعوذين، واغتيالات لأشخاص تستفيد زوجاتهم من غيابهم أكثر مما يستفيد الموساد، فهي محاولة للتغطية على الشبكات الكبرى الفعّالة، كمن يشغل موظف جمارك في مطار ببعض المهربات الصغيرة التي يحملها في جيبه، تمويهاً لحقيبة المخدرات الكبيرة التي يمسكها في يده!
جريدة القدس العربي اللندنية 1/7/ 2006