لرئيس الوزراء اللبناني الأسبق الدكتور
سليم الحص قول مأثور هو أن (في لبنان حرية
وليس فيه ديمقراطية ) ولعل هذا القول
المختصر والبسيط يلخص الأزمة اللبنانية
برمتها ولايترك مزيداً لمستزيد. ذلك أن
ألف باء الديمقراطية هو الاعتراف بمرجعية
واحدة وحيدة لكل الناس هي مرجعية
المواطنة،
وأن المواطن فرد حر لا يقع بينه وبين
مرجعيته هذه أي حاجز أو سد أو حتى غلالة،
سواء كان الحاجز انتماء طائفياً أو
إقليمياً أو إثنياً أو أي انتماء آخر،
فمرجعية المواطنة هي الخطوة الأولى نحو
إقامة دولة ديمقراطية (ومجتمع ديموقراطي)
لأنها العامل الحاسم في بناء المؤسسات
الديمقراطية وتحديد علاقتها بالناس، وأساس
اختيار السلطة السياسية وهي معيار ضبط
علاقة المواطنين بدولتهم وحكومتهم،
والديمقراطية اللبنانية ليست كذلك ولم تكن
يوماً كذلك منذ ميثاق 1943 حتى الآن
مروراً باتفاق الطائف الذي أنهى الحرب
الأهلية.
بنيت الديمقراطية اللبنانية على اتفاق
الطوائف في لبنان (بلغ عددها حتى الآن
ثماني عشرة طائفة) وعلى المحاصصة بين هذه
الطوائف، ووضع أساسها قبيل الاستقلال في
ميثاق 1943 الذي أنهى خلافاً دام عشرات
السنين بين طوائف تريد التحالف (أو
الوحدة) مع سورية وأخرى تريد التحالف مع
فرنسا (التي كانت مستعمرة) ولم يجد الساسة
اللبنانيون
في ذلك الوقت بداً من الاتفاق على أن
لبنان وطن نهائي للبنانيين (أي رفض الوحدة
مع سورية) وذو انتماء عربي سياسي وثقافي
(أي الابتعاد عن التحالف مع الغرب) وتمت
المحاصصة وشارك لبنان في تأسيس جامعة
الدول العربية، واعتقد القادة اللبنانيون
في ذلك الوقت أنهم وضعوا أساساً
للاستقرار،
ولم يكن أمامهم خيار سوى العزوف عن
التحالف مع الخارج والقول بالديمقراطية في
إطار شراكة الطوائف ومحاصصتها ورفع شعار
التآلف والتسوية ولا غالب ولا مغلوب إذا
ما جدت مشكلة أو أزمة، واعتقد الجميع أن
هذا هو الحل السحري للبنان وشعبه، وأخذوا
يتغنون بديمقراطيتهم وازدهار لبنان
(سويسرا الشرق) واطمأنوا لحاضر بلدهم
ومستقبله.
لكن الشراكة بين الطوائف اللبنانية
والمحاصصة جعلت الطائفة وليس الديمقراطية
هي المرجعية الحقيقية لكل مواطن لبناني،
خاصة وأن الوظائف في الدولة تقسم بين هذه
الطوائف ويعود لأمرائها فعلياً اختيار
المرشحين للوظائف وحماية أبناء طائفتهم،
ولأن الأمر كذلك فقد كانت مخصصات التنمية
والتطوير والصحة والتعليم والخدمات توزع
على مناطق الطوائف من خلال قوة ممثلي
الطائفة فازدهرت مناطق على حساب أخرى
ووزعت الامتيازات على مواطنين دون غيرهم،
فارتبط الناس بالطائفة وقادتها وليس
بالدولة، وكرسوا المرجعيات الطائفية على
حساب مرجعية المواطنة ولم يشعر أي مواطن
أن الدولة هي مرجعيته الأولى، وتحولت
الديمقراطية إلى حق نقد السياسيين ممثلي
الدولة وليس ممثلي الطائفة فالدولة هي
الآخر والطائفة هي الأنا فازداد الخلل
عمودياً بين نصيب الطوائف وامتيازاتها
وأفقياً بين أبناء الطائفة الواحدة، وكانت
ديمقراطية لا مثيل لها في أية ديمقراطية
أخرى في عالمنا.
لم يكن بالإمكان أن يدوم الاستقرار
والازدهار زمناً طويلاً، بسبب هشاشة هذه
الديمقراطية وأطماع أمراء الطوائف
وأنانيتهم فاشتعلت الحرب الأهلية عام 1958
بسبب الخلاف على المغانم والهيمنة مهما
ألبست لبوساً وطنياً ولم تكن بسبب رغبة في
إعادة النظر بهيكلية النظام السياسي أو
بالمرجعية الطائفية أو بتحويل ديمقراطية
الطوائف إلى ديمقراطية للمواطن،
ولم يكن هنالك بد مادامت أهداف الحرب هكذا
من إنهائها حسب الشعار اللبناني الأثير
على قلب الجميع وهو شعار (لا غالب ولا
مغلوب) مع أن الشعب اللبناني كان كله
مغلوباً بسبب تلك الحرب ونتائجها، وقد
حاول الجميع الاستقواء بحلفاء في الخارج
عله يفوز في الحرب على طوائف أخرى ولكن
الاستقواء لم ينفع أحداً لأن التوازن
الخارجي موجود دائماً وهو أيضاً ينتهي إلى
سياسة (لا غالب ولا مغلوب).
لم يحاول الساسة اللبنانيون إعادة النظر
بهذه الديمقراطية المشوهة وإلغاء الطائفية
السياسية والعودة للجوهر وهو مرجعية
المواطنة الوحيدة، وجاء الفلسطينيون إلى
لبنان مما أوحى للبعض بالاستقواء بوجودهم
المسلح وللبعض الآخر بخطر هذا الوجود،
وسواء كانت استنتاجات هؤلاء وأولئك صحيحة
أم خاطئة فقد أدى الأمر إلى اشتعال حرب
أهلية جديدة عام 1975 دامت خمسة عشر عاماً
انتهت باتفاق الطائف،
الذي صحح المحاصصة الطائفية وجمّل النظام
اللبناني بقرارات عديدة منها إلغاء
الطائفية السياسية وإحداث مجلس نيابي
وإعادة النظر بصلاحيات رئيس الجمهورية
والحكومة وغيرها وذلك كله في إطار
المحاصصة فبقيت نواة الأزمة قائمة والنار
تحت الرماد مادام الجيش السوري موجوداً
والنفوذ السوري كذلك ثم تفاقمت الأزمة
وحصل ما حصل.
لم يكن الخارج بريئاً في الحرب الأهلية
عام 1975 حتى إن بعض اللبنانيين سموها حرب
الآخرين في لبنان، وكان لإسرائيل وبعض
العرب والأوروبيين والأميركيين دور في تلك
الحرب التي أحرقت بوقودها لبنان وشعبه،
ولأن التوازن هش في لبنان بين الطوائف فقد
استمرأت كل منها أن تستقوي بالخارج طمعاً
في الحصول على أكبر كمية ممكنة من قطعة
الجبن، وكان الخارج حاضراً باستمرار
مباشرة أو مداورة في هذه الحرب وفي كل حرب
بين اللبنانيين،
ويبدو أن التدخل الخارجي سيستمر الآن وفي
المستقبل وأن اللبنانيين يراهنون على
التدخل (أو التحالف) طالما بقيت
الديمقراطية الطائفية هي المعتمدة رغم
ضعفها وهشاشتها، وستبقى كل طائفة تسعى
لزيادة حصتها ما بقيت هي المرجعية الأساس
سواء أرادها اللبناني أم لم يردها وسواء
قبلها أم رفضها، لأنه في حال الرفض لن يجد
من يحميه فديمقراطية الدولة الطائفية لا
تحمي مواطنيها وتعهد بالحماية للطائفة.
تنكر جميع الأحزاب والتيارات السياسية
المتصارعة الآن في لبنان علاقتها بالخارج
وتؤكد أن صراعها داخلي يدور حول قضايا
دستورية وتشريعية وما يشبه ذلك، لكن
الواقع يشير إلى أن الخلاف يدور حول من
سيحكم لبنان ومن سيتولى مقاليد الحكم فيه
ومع أي محور إقليمي أو دولي سيكون،
وبالتالي فإنه من الوهم الاعتقاد أن
القضية لبنانية صرف وأن اللبنانيين قادرون
على الوصول إلى اتفاق أو ائتلاف أو وحدة
وطنية دون أخذ المحاور الخارجية بعين
الاعتبار وحساب ألف حساب لها ولدورها
ولمساعداتها وصراعها مع الآخرين إقليمياً
ودولياً
حسين العودات: البيان الإماراتية
9/12/2006