الانتحار علي الطريقة السورية
حكم البابا

11-11-2006 09:55:54


حتي لو كان شقيق وزير الداخلية السوري المنتحر غازي كنعان قد انتحر فعلاً، كان علي الذين سرّبوا حادثة وفاته منتحراً، أن يجدوا سبباً آخر أكثر اقناعاً لسامعيه يمنعهم من الابتسام ـ احتراماً لجلال الموت ـ رغماً عن إرادتهم عند تلقيه، وهو أمر فكروا فيه بالتأكيد وإلاّ لما اجتهدوا ـ منعاً لهذه الابتسامة بالذات ـ في الحديث عن حالة اكتئاب كان يمر بها الرجل جعلته يبتعد عن منزله ويختار مزرعته للنوم فيها وحيداً، وبالمناسبة فقد سبق وأن أطل السبب النفسي للانتحار برأسه مارّاً في سياق الأخبار التي تم تداولها عند إعلان انتحار الوزير كنعان، وذكر حينها بأن هناك حالة اضطراب نفسي وسوابق انتحار في عائلة كنعان قد تكون أحد أسباب اقدامه علي الانتحار!
ومحاولة منع الابتسامة اللاإرادية التي ترتسم علي شفتي من يسمع خبر انتحار غازي كنعان ومن بعده بعام شقيقه علي كنعان، هي التي أدت لتشوش وتضارب في الأخبار عن سبب الانتحار، ففي الوقت الذي اعتبر فيه موقع سيريا نيوز الالكتروني المقرب من بعض ذوي النفوذ في سورية، أن مصدراً مطلعاً من قرية الشقيق المنتحر للوزير المنتحر، ذكر لهم أن سبب الوفاة حادث سير عادي لاعلاقة له بقتل النفس، وأنه توفي بعد أن صدمه قطار، عندما كان يحاول قطع سكته بسيارته، مضيفاً لتأكيد مصداقية قصته أن المكان الذي جرت فيه الحادثة هو مكان معروف، تتكرر فيه الحوادث بشكل يدعو للاستغراب ـ لاحظوا هذه الجملة ـ ، ومذكراً بحادث جري فيه نفس المكان قضي فيه عدد كبير من أطفال روضة مدرسة كانوا في باص يعبرون الطريق عندما صدمهم القطار قبل سنوات، ومنهياً روايته عن الحادث بنفي قاطع لمصادر قريبة من القضية بأن ما قيل عن انتحاره أو قتله أمر مثير للسخرية والضحك ـ انتبهوا إلي هذه العبارة!
في نفس الوقت الذي نشر فيه خبر موقع سيريا نيوز السالف الذكر، قدمت مراسلة موقع ايلاف الالكتروني المقربة من دوائر في السلطة السورية، رواية أخري لحادثة الوفاة تؤكد انتحار شقيق الوزير بسبب معاناته من اضطرابات نفسية، ومستخدمة نفس مكان واكسسوارات الخبر السابق من قطار وسكة وسيارة وجثة، مع اختلاف بسيط هو في وجود السيارة سليمة ومركونة إلي جانب سكة القطار، وجثة الرجل مهشمة فوق السكة، نافية علي لسان مصدر سوري رسمي أن يكون حادث الانتحار مدبراً، ساخراً ـ دققوا في هذه الكلمة ـ من مثل هذه الأنباء التي تحمل سورية مسؤولية كل عمل يقترفه صاحبه، أو أي شخص آخر في سورية أو خارجها.
ليست لدي رغبة في مناقشة تفاصيل القصة، وطرح أسئلة محرجة من قبيل إذا كانت سكة القطار مبررة في رواية الحادث، فما مبررها في رواية الانتحار؟ وألم يكن باستطاعة شقيق الوزير كنعان في الرواية الانتحارية أن يجد طريقة للانتحار أقل مشقة من قيادة سيارته حتي سكة القطار والاستلقاء عليها؟ أم أنه فضل الانتحار بهذه الطريقة ليمايز نفسه عن انتحار شقيقه برصاصة في فمه؟ ولماذا تبدو تصريحات المصدر المطلع في رواية الحادث، والمصدر الرسمي في رواية الانتحار كما لو أنها تطبيق عملي للعبارة القائلة (يكاد المريب يقول خذوني)!
أي مقارنة بسيطة بين الروايتين تؤكد أن الهاجس الأول لهما هو محاولة منع السخرية والضحك التي قد يثيرهما سماع الخبر، بحيث يتحول إلي نكتة في الشارع السوري مشابهة للنكتة التي شاعت قبل سنوات عن انتحار رئيس مجلس الوزراء الأسبق محمود الزعبي برصاصتين في الرأس، وما دام لم يصدر خبر رسمي يقدم رواية مقنعة ـ للناس وليس لمعديها فقط ـ لحادثة وفاة شقيق الوزير المنتحر غازي كنعان، فستبقي القصة مجالاً للتندر، مثلها مثل مسلسل عمليات جند الشام الارهابية، وعمليات انتحار المسؤولين السابقين واللاحقين في سورية، لكن أخشي ما أخشاه أن نسمع رواية ثالثة من ابتكار وزارة الاعلام السورية (تشبه تصريح وزيرها الأخير حول عدم وجود معتقلي رأي في سورية، والموجودون في السجن أشخاص اقترفوا أموراً تنافي الدستور والقانون، وكأن ميشيل كيلو قبض عليه بحادثة نشل، وأنور البني متهم بزني المحارم) كأن يخطر في عقول مسؤولي وزارة الاعلام السورية رواية الحادثة علي النحو الذي يقول بأن شقيق اللواء كنعان كان يشاهد فيلماً لـ باباي فتأثر به، وحاول تقليده، وتناول قليلاً من السبانخ، ثم ذهب ليجرب قوته ويوقف بيديه القطار، لكن ولأنه لم ينتظر إلي أن تعطي السبانخ مفعولها توفي دهساً تحت عجلات القطار، حينها سنترحم بالتأكيد علي الروايتين الحاليتين اللتين تتوجهان لمتلقي منغولي مصاب بقصور دماغي، أكثر مما تتوجه لي ولك، وله ولها، ولنا ولهم!
القدس العربي