التيار السوري الديمقراطي                           بالحرية والمعرفة تسد الشعوب  

         30/03/2006                                                                         الصفحة الرئيسية   اتصل بنا   من نحن     

  االدكتور عارف دليلة يتكلّم من سجنه ( الحلقة الثانية )

الدكتور عارف دليلة يقدّم كلمة شكر إلى سجّانيه من سجن الحريّة

كلمة شكر الى السجّان

نمي الينا وفق التعبير المستحق الدارج لدى مسؤولينا " أن المرحوم الرئيس التونسي السابق الحبيب بو رقيبة كان قد خصّ المبدعين من كل أنحاء العالم بحق الاستجمام والاستمتاع الحر المفتوح المجاني في أحد المنتجعات الطبيعية الخلابة في تونس الخضراء تشجيعا لهم على الابداع.
" وبالمثل " فقد خصّني وزملائي" السجّان " شعبة الأمن السياسي " وهو الخصم في الدعوى الجزائية التي أوقفت بمقتضاها أمام محكمة أمن الدولة العليا بدمشق باقامة مجانية مفتوحة حفزتني على " الابداع " ولم تدع لي مهربا منه فكان من نتيجته هذه الاوراق التي أنثرها أمامكم الآن .
جاءني المحامون الذين لم يحصل مرة واحدة أن سمح لهم بزيارتي بناء على طلبهم أوبناء على طلبي وانما عندما يرتأي السجّان الحاجة لسماع وتسجيل نقاشنا وتحديد آرائنا وأفكارنا ومواقفنا للاستعداد لمواجهتها كلما استجدّ ظرف ما كما حصل قبل ايام وفي اليوم التالي لصدور الحكم بالسجن سنتين ونصف على شريكي في غرفة السجن وجاري في السجن الإنفراد ي منذ فصلنا عن بعض قبل شهرين المحامي والسجين المخضرم " 17سنة +2.5 سنة " رياض الترك والذي جاوز العقد السابع من العمر فهيئة المحكمة " الحريصة جدا على الدفاع عن الدستور والنظام العام ضد المعتدين عليهما أمثالنا أنا وشركائي في غرفة السجن المحامي حبيب عيسى والدكتور وليد البني والدكتور كمال لبواني والمحامي رياض الترك وغيرهم " . هذه المحكمة لم تفعل شيئا رغم مطالباتي العديدة بخصوص اعمال نصوص الدستور والقانون من أجل تمكيني من أبسط حقوق الدفاع المصونة دستوريا وقانونيا وهي الاجتماع بالمحامين وكلائي على انفراد لترتيب الدفاع المشترك بعيدا عن عن سمع وتسجيل الخصم " السجان " للحديث والأفكار التي تدور بيني أنا المتهم الموقوف توقيفا مفتوحا وبين وكلائي من المحامين والذي لم يلتزم السجان " الخصم " فيه بأي ضابط قانوني لا بالنسبة لمدته ولا لظروفه وشروط المعاملة خلاله بل ان هيئة المحكمة لم تفعل شيئا بخصوص الاعتداء الذي وقع عليّ داخل السجن من قبل السجان وذلك للحصول على اقرار موقع من قبلي قسراَ بعد تسعة أشهر من الاعتقال هذا السجان الذي كان يمثله العقيد عدنان محمود رئيس فرع الأمن السياسي بدمشق والذي كان مقرباَ جداَ من اللواء عدنان بدر حسن رئيس شعبة الأمن السياسي والذي كما سمعت فيما بعد أنهم الاثنان قد أدينوا بمواضيع فساد وافساد غير محدودة معروفة لدى الجميع . لقد استغل رئيس الفرع آنذاك التسجيلات التي حصل عليها نتيجة اختراق " حق الخلوة " للمسجونين فطلب مني التوقيع على اقرار قا ل انها موجودة على كاسيت التسجيل ولما رفضت قام بضربي حتى سال دمي . وفي اليوم التالي عندما اقتادوني لحضور جلسة المحاكمة أحضرت في جيبي محارم الكلينكس المبلولة بالدماء كوني لم أستطع وقف الدماء الا بصعوبة نتيجة اصابتي بداء السكري . وأثناء الجلسة وبحضور كثير من المحامين وعناصر أجهزة الأمن وضعت هذه المحارم على الطاولة أمام رئيس وأعضاء هيئة المحكمة وطلبت منهم حمايتي داخل السجن فكان جواب رئيس هيئة المحكمة الذي لم ولن أنساه " أنا لا أستطيع ذلك " . هذه هي المحكمة وهذا هو القانون أيها السادة .
سألني المحامون عن ظروف الاقامة . قلت ." تؤنسني في هذا السجن أصوات العصافير التي نفتقر الى سماعها في المدينة فما أكاد أغفوا في الهزيع الأخير من الليل حتى توقظني زقزقات " الدوري " على النافذة الصغيرة التي يدخل منها قليل من الضوء دون أشعة الشمس . كذلك تغريد البلابل على الأشجار المحيطة بالسجن ". فأجابني المحامون " عندما تخرج من السجن ستفتقد هذه الأصوات " . قلت لهم اني مطمئن بأنهم " السجانون " سيهدوني اياها مسجلة على " الكاسيت " بنفس النقاء الذي سجلوا به جميع أحاسيسنا وأفكارنا عندما جمعونا أربعة أربعة في غرفة على مدى ثمانية أشهر قبل تقديمنا الى المحاكمة ودون أي مبرر لهذه المماطلة . اذ أن التهم قد تحددت في اليوم التالي لاحتجازنا وبشكل نهائي اللهم سوى مبرر واحد كما ظهر أخيرا هو عدم الخروج من الزوبعة بسوء الوجه لانعدام أي سبب للاعتقال فكانت احتياطاتهم التي أسماها عقيد المباحث عندما نقلت الى المشفى " هي اضافة جريمة أخرى الى جريمة الاعتقال " وهي " التنصت الالكتروني " للتسلل الى دواخلنا والتلصص على خصوصيات أفكارنا في اختراق صارخ لحرمة حق " الخلوة " ضاربين عرض الحائط بكل ما يصون هذا الحق من الدستور والقانون وشرعة حقوق الانسان والدين والأخلاق مدفوعين الى ذلك بانكشاف أن الاعتقال الذي لم يكن له أي مبرر أو سند في القانون والدستور كما اتضح من التحقيق مع المعتقلين منذ اليوم الأول وانه يمثل فضيحة سياسية وجريمة اعتداء فاضحة على حقوقهم وحرياتهم الأساسية . ولكن طالما أنه لا بد بين فينة وأخرى من إرهاب المجتمع كلما حاول الوقوف على قدميه وذلك بتقديم بعض الضحايا إكراماَ لأصحاب المصالح والنفوذ وتغطية لأفعالهم وممارسانهم الشائنة لإرهاب الأصوات الحرة في المجتمع . لذلك كان لا مناص من أن ُترتّب للمعتقلين بعد توقيفهم تُهم " تليق بالمقام " وتبرر كل العسف والجور وخرق الدستور والقانون وتغطي الأحكام المحددة مسبقاَ والتي ستصدرها المحكمة أخيرَا بحقهم . وأن الطريقة الأسهل للفوز والنصر الساحق عليهم هي " تلويع النسور في الأقفاص " لفترة كافية ليطفوا كيلها ثم اقتناص ما يفيض عنها من " زفرات " بالأصوات الحيّة على أشرطة التسجيل الالكترونية ونشرها بين أيدي كل من هب ودب والا كيف تثبت بغير ذلك للعالم أننا دخلنا عصر الحداثة الالكترونية والمعلوماتية من " أوسخ " أبوابه " غير الشرعية والحضارية .
من أجل هذا الانتصار الساحق قام السجّان " الخصم " بالانفاق السخي من مال الشعب على بناء غرفتين حديثتين بكل مرافقهما يمكن مقارنتهما بحجرات فنادق النجوم الثلاث وهو أمر غريب في تاريخ السجون إذ أضيف إلى كل الخدمات الربط مع أجهزة التسجيل الإلكترونية ؟؟ فليس كافيا ما ينفق على جيوش المخبرين التي كانت تلاحق المتهمين في كل محاضرة أو منتدى لتسجيل كلماتهم ثم إعادة ترتيبها كما تشاء وليس كافيا التنصت غير القانوني على مكالماتهم الهاتفية المنزلية . كان لا بد من معرفة ماذا يكدّسون في داخلهم بشكل خاص من معلومات عن ممارسات " الخواص " الذين يتحكمون بتطوير إقتصاد البلاد وتحديد أرزاق العباد والى أي درجة بلغت معرفة " العامة " على مثال المعتقلين ب " الخاصة " وممارساتهم .
عندما بدأت جلسات محاكمتي خصّني السجان " الخصم " على إنفراد بإحدى هاتين الغرفتين ذات النجوم الثلاث مقابل حرماني من الخروج إلى المشي في الشمس والهواء وحرماني من الجرائد الحكومية الثلاث التي كانت تشغل معظم نهاري على مدى الأشهر الثماني السابقة لجلسات المحاكمة والتي جمعت منها أرشيفاَ موسعاَ من تصريحات المسؤولين وآراء المفكرين ومعلومات الصحفيين الرسميين في معظمهم ممن يصوّر تراجيديا حياتنا العامة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإدارية والفكرية والقانونية وغيرها وبسبب ما سمعوا من تعليقاتي حول هذا الارشيف من المؤيدات الرسمية لأقوالي موضوع التهم الموجهة لي فقد قرروا حرماني من آخر متع الدنيا في هذا المعزل الآمن وهم كعادتهم دائما عاجزون عن التحسب أن كل حرمان واضطهاد يتحول الى مصدر إضافي للابداع وفق قانونية " التحدي والإستجابة " وهكذا لم يبقى لي سوى إستخدام ملخصاتي عن الكتب القانونية التي قرأتها على مدى الأشهر السابقة أيضا فاكتسبت إختصاصًا جديدًا في القانون يكمل إختصاصي الأساسي في الاقتصاد السياسي وبشكل خاص في مجال حقوق الانسان . وأنا أدين في هذا الاختصاص بشكل خاص إلى القانوني الكبير الشهيد الدكتور محمد الفاضل الذي اغتيل على أيدي قوى الغدر وهو على كرسي رئاسة جامعة دمشق والى الدكتور مصطفى عوجي استاذ القانون الجنائي والجزائي في الجامعة اللبنانية صاحب الكتاب القيم " حقوق الانسان في الدعوى الجزائية " والذي كشف لي عن الفجوة الهائلة بين الممارسة القضائية والقانونية في بلادنا وبين علم القانون والتطور القضائي وحقوق الانسان والمواطن . كما تعلمت من كتاب المفكر الكبير المرحوم الياس مرقص " نقد العقلانية العربية " الصادر حديثا بعد وفاته بسنوات والذي قرأته من بين الكتب التي كانت لدى شريكي السابق في الغرفة المحامي رياض الترك قبل فصلنا في " الانفراديات " أن دولة الحق التي تقوم على إحترام حقوق الانسان كفرد منفرد هي الأساس للدولة الديمقراطية ولا يصح العكس . فالديمقراطية ستكون شكلاَ لا محتوى له بدون حقوق الانسان والمواطن كما تأكدت لي المقولة التي أطلقتها في إحدى محاضراتي منذ التسعينات في المركز الثقافي بدمشق وهي " أن تعريف المسألة الاقتصادية في سوريا هو أنها ليست مسألة اقتصادية " وهو أيضا ما أكدته بشكل خاص في محاضرتي في منتدى جمال الأتاسي قبل إعتقالي باسبوع بعبارة لكارل ماركس يستخدمها الياس مرقص تقول " إن الاقتصادي بصفته إقتصاديا هو غير إقتصادي " الأمر الذي يؤكد على أن علم الاقتصاد هو علم اجتماعي أخلاقي وليس علماً يعني بالأشياء والكميات المجردة وهي الفكرة التي كانت محور مقال لي نشر في مجلة العربي بالكويت بعنوان " الاقتصاد : هل هو علم أخلاقي أم لا أخلاقي " ثم أصبح محورا رئيسا لكتاب لي صدر عن دار الطليعة في بيروت عام 1982 وطبعة ثانية موسعة عام 1987 بعنوان " بحث في الاقتصاد السياسي للتقدم والتخلف والنظام الاقتصادي العالمي " كما شكلت الفكرة محور المقالين المنشورين في جريدة الثورة السورية بتاريخ 30 /9 /2000 و 1 / 10 / 2000 بعنوان " الاصلاح الاقتصادي من أجل اللإصلاح الإجتماعي " هذا المنحى الذي يؤكد على البعد الإجتماعي الأخلاقي في الوضعية الإقتصادية كمعيار للكفاءة في السياسة الاقتصادية والذي تحتل فيه مكافحة التخريب والفساد ركناً أساسياً هو في الحقيقة التهمة والجريمة الأساسية التي اعتقلتُ وأحُاكم اليوم من أجلها كما يتبين بوضوح من القرار الإتهامي ومن التحقيقات التي سبقته ومن نقاط الإرتكاز في تقارير المخبرين ومن التهُم المرتبة من قبل شعبة الأمن السياسي ونيابة محكمة أمن الدولة العليا وهو أيضا موضوع الصراع بيني وبين النظرية والممارسة السائدتين اللتين تناستا الانسان والمواطن في المسألة الإقتصادية بصورة شبه كلية .
هذه اذن هي " تهمتي وجريمتي " إنها الإصرار على مدى حياتي الجامعية منذ بدأت مدرّساً في جامعة حلب عام 1972 ثم في جامعة دمشق منذ عام 1986 وحتى صرفي من الخدمة بقرار غير قانوني في 28 / 3 / 1998 من قبل رئيس وزراء اتّهم وأقيل ثم انتحرأو نُحر بعد عام من إصدار هذا القرار بسبب سوء الإدارة والفساد .إنها الإصرار على إعمال علم الاقتصاد السياسي وهو " إختصاصي " في الكشف عن القوانين الموضوعية لتطور سوريا المعاصرة وتناقضاته ومعيقاته .
لقد كان هذا النشاط الفكري هو المحور المكثف والموازي لنشاطي التدريسي في الإقتصاد السياسي وتاريخ الوقائع والأفكار الإقتصادية في الجامعة وكان بالأخص المحور الأساسي في إطار " ندوة الثلاثاء الافتصادية " التي تنظمها جمعية الاقتصاديين السوريين والتي أُعتبر عضواً منتخباً في مجلس ا\إدارتها منذ عشرين عاماً كبرنامج ثقافي سنوي يقدم ندوة أسبوعية " يوم الثلاثاء " من كلّ اأسبوع في المركزالثقافي بدمشق حول التنمية الإقتصادية والإجتماعية في سوريا وقد شاع عنها أنها " سهرة الفقراء " إلا أنهم يريدون بإعتقالي هذا نزع هذه الصفة عنها ..لقد تمكنّت من خلال هذا النشاط الموازي أن أساهم بنقل المسألة الاقتصادية من الدائرة البيرقراطية الحكومية إلى الدائرة الإجتماعية الواسعة باعتبارها قضية كل مواطن بهدف خلق أرضية اجتماعية حيّة متفاعلة لما يسميه الدستور السوري الصادر عام 1973 " الرقابة الشعبية على أجهزة الحكم " ولأنني قدّرت الأمور بإتجاه تفعيل هذه الرقابة الشعبية أي تفعيل الدستور فإنه تم إعتقالي من قبل من لا همّ لهم إلا إخماد وتغييب وإرهاب هذه الرقابة ونشطائها ليستمروا في إطلاق أيديهم في التجاوز على الدستور والقانون والمصالح العامة دون خشية من أي مساءلة . وأحاكم أمام محكمة أمن الدولة العليا بدمشق بتهمة " الإعتداء الذي يستهدف تغيير الدستور بطرق غير مشروعة "وإلقاء الخطب بهدف إثارة عصيان مسلح ضد السلطات الشرعية القائمة بموجب الدستور لإجبارها على الإستقالة وكأن انقلاباَ قد وقع بالفعل . وإذاعة أنباء كاذبة توهن نفسية الأمة زمن الحرب . ونشر معلومات تؤثر على المكانة المالية للدولة وتؤدي إلى تخفيض قيمة أوراقها النقدية ". وهي الجرائم الواقعة على أمن الدولة الموجهة لي تهمة إرتكابها بموجب قرار النيابة العامة لأمن الدولة والأسباب الحقيقية هي أنني لم أفعل شيئا سوى الكشف بالقول والكتابة عن الجرائم الفعلية " الإعتداء على الدستور والقانون وحرمان الشعب والمواطن من حقوقه مما يوهن نفسيتهما والتضليل الإعلامي الكاذب عن حقائق الواقع وتحطيم قيمة النقد الوطني " المرتكبة من قبل من يمتلكون القرار والمسؤولية على أمن الدولة وعلى حقوق الوطن والمواطن .
ألا يستحق السجان " الخصم " الشكر . كل الشكر اذن على توفير شروط الاقامة المريحة المجانية والمخدومة لإجباري على " التفرّغ " متنزّهاً عن كل مباهج الدنيا ومتع الحريّة الطليقة لتقديم قضيّتي الخاصة هذه كقضيّة عامّة تخصّ كلّ مواطن في سوريا وربّما في غير سوريا أيضا .
ايار مايو – آب أوغست 2002
الدكتور عارف دليلة
السجن المركزي بدمشق


  الجزء الاول-- الجزء الثالث

12/02/2006
 

هاتف: 447722221287+ فاكس00442476261892

التيار السوري الديمقراطي   http://www.tsdp.org

البريد الإلكتروني: tsdsy@hotmail.com