|
|
|
الدكتور عارف دليلة يتكلم من سجنه ( الحلقة السادسة )
أيها السادة ----- في هذا الوقت الذي تقع فيه الكارثة الوطنية التي
نبتهل إلى الّله أ ن تكون آخر المصائب وهي كارثة إنهيار سد مأرب " سد
زيزون " لتبرهن أن لا شيء أكثر ضرراً على الأمّة من سلوك النعامة التي
تطمر رأسها في الرمل هرباّ من الحقائق ولتوقظنا من غفلتنا بعد أن هيمن
على الجميع إلاّ ما ندر سلوك القرود الثلاثة في التماثيل المعروفة حيث
يغلق أحدهم بيديه فمه والآخر عينه والثالث أذنيه ليجلسوا بأدب بعيداً
عن الشك المباحثي صمّاً بكماً عمياً . وإذا تحدثوا في الفساد والتسيّب
الإداري والتخريب واللاّمسؤوليّة فإنّهم يتحدّثون همساً وفي الخفاء ولا
بدّ من التذكير بأن المتهم الذي تحاكمونه اليوم كان يقف أمام جميع
المسؤولين وعلى جميع المنابر ومنذ بدأ حياته الجامعية وحتى لحظة
إعتقاله ينبّه إلى التجاوزات ويكشف الأخطاء والإنحرافات ويلقي الأضواء
على المخاطر التي تحملها أو تخفيها على مصير الوطن ومستقبل الأجيال ولا
زال كذلك وهو في سجنه معرّضاً نفسه إلى الحرمان من أبسط شروط الحباة
الطبيعية بينما المرتكبون والصامتون عنهم والمدّاحون لهم يرفلون بمباهج
الدنيا ومكاسب السلطة ونعيم الثروة لقاء تنازلاتهم عن واجباتهم
والتزاماتهم الوطنية والأخلاقية وضربهم عرض الحائط الدستور والقانون
ومصالح الدولة والشعب التي أحاكم بتهمة الإعتداء عليها لا بل أنّي
تعرّضت كثيراً ومباشرةً لمختلف أشكال التهديد بما في ذلك التهديد
بالقتل إن لم أصمت وأتوقّف عن كشف الجرائم والإنحرافات وهذه زوجتي
شاهدة ُعلى الإتصالات الهاتفية التي كانت تبدأ في الصباح ولا تتوقّف
حتى آخر الّليل حاملةً أشنع الإساءات والتهديدات ومن الغريب أن
المتنصّتين على هاتفي لم تثر إهتمامهم لأنّهم على الأغلب يعرفون مصدرها
أما التهديد بالإعتقال فكان دائماً على رأس كل لسان سواء من باب
التحذير من لسان ناصح ٍ صادق أو من باب التهديد الجدّي عبر وسائط
متعدّدة وكان ردّي دائماً إنها الخيانة بعينها أن أصمت وأنا أرى خيانة
الأمانة تزدهر على كل صعيد وبالأخص وأنا أرى وأسمع سلوك وإدعاءات من
يخونون الأمانة بالتظاهر بالوطنيّة والإخلاص وهم يمارسون الغطرسة على
الشعب والإحتقار لكلمة العلم والعلماء ولصوت الحقيقة والإزدراء
بالدستور والقانون وبالمصالح الوطنيّة وامتهان حقوق الإنسان والمواطن .
لقد أحاقت بنا كوارث وأزمات إقتصاديّة متتالية كانت تثير محاولات
وتدخّلات وتغييرات إصلاحية من أعلى المستويات لكنها كانت تنتهي جميعها
إلى الفشل وإلى الإلتفاف والتطويق ثم العودة إلى تصعيد الممارسات
الفاسدة السابقة بدءاً بتشكيل لجنة المحاسبة عام 1977 وفتح الملفات ثم
إغلاقها ومروراً بتكليف السيد رئيس الجمهورية لجنة من ستة أعضاء من
قيادة الجبهة لفتح الحوار مع الرأي الآخر والتي عقدت اجتماعين متتاليين
على مدّرج جامعة دمشق عام 1980 الأولى مع الكتاب والصحفيين وكان لي فيه
مداخلة هامة جداً . ثم التغيرات الوزارية المتتالية التي كان الفساد
وسوء الإدارة والإثراء غير المشروع وتدهور الوضع الإقتصادي والإجتماعي
وراءها جميعها من حكومة الحلبي إلى حكومة الكسم إلى حكومة الزعبي ثم
أخيراً حكومة ميرو الأولى التي استمر فيها أبرز رموز الفساد والتخريب
الإقتصادي والذين خرجوا منها في التغيير الأخير وفي جميع هذه التغييرات
كان يجري الإلتفاف على دوافع التغيير وهي أن التغيير لم يغّير شيئاً في
السياسات والوقائع والممارسات وليعودالصراع إلى دورته المعلقة البائسة
من جديد وكانت النتيجة هي أن الدولة والشعب والمواطن كانوا يتحمّلون كل
تكاليف هذه الممارسات الباهظة وغير المبرّرة بأي شكل وإنّ منحى التقدم
لم يستطع تغيير اتجاهه من الهبوط والإنحدار إلى النمو والإرتقاء منذ
مطلع الثمانينات وحتى اليوم رغم الأعداد و الأفواج الكبيرة من
المسؤولين الذين أقيلوا أو أوحيلو إلى المحاكم والسجون وحجزت أملاكهم
وأموالهم نتيجة فسادهم وإفسادهم .
إن سورية اليوم هي بأمس الحاجة إلى قيام بناء جديد من الثقة المتبادلة
بين جميع القوى والفئات في السلطة والمجتمع ليس على أساس التصنيف
العائد الذي جيء بي إلى السجن والمحاكمة تبعاً له وهو القال والقيل عن
فلان وعلاّن وإنما على أساس العمل ونتائج العمل وحدها كأساس لتصنيف
كفاءات الناس وصدقهم وإخلاصهم والتزامهم . كانت نصيحة المناضل البارز
نلسون مانديلا لخليفته مامبيكو " أبعد عنك أولئك الذين لا يحسنون سوى
كلمة نعم " وصدق المثل العربي القائل " صديقك من صدقك لا من صدّقك " إن
التصنيف الذي جيء بي إلى السجن تبعاً له كان السبب في تخلف وانهيار
جميع الأنظمة التي اشتهرت به رغم جبروتها وهو المسؤول عن تدمير جميع
إنجازاتها وتحطيم أسس حياة مجتماعتها وهو نفسه المسؤول عن الفظائع التي
تركها الفساد ممّا ارتكبه المفسدون على الأرض السورية . إنّ غسل آثار
ما فعلوه والتهيؤ لمواجهة جميع الأخطار القائمة والمحتملة وما يحمله
عصر العولمة والخروج من الواقع الإقتصادي والإجتماعي الموروث والثقيل
يتطلّب أن يأخذ الإصلاح بمنهج آخر جديد ومختلف تماماً . منهج تقييم
الأداء بناء على نتائج الأعمال فقط لا غير وهو المنهج السائد في جميع
دول العالم المعاصرة والمنهج الوحيد للتقدّم والإرتقاء ... إن كارثة سد
مأرب " زيزون " يجب أن تكون بداية إنطلاق هذا المنهج الجديد بالمراجعة
الشاملة للواقع حتى لا تفاجئنا أيّة كوارث أخرى توهن نفسيّة الأمّة
وتطيح بكل مقومّات حياتها .. كتب السيد أسعد عبود في جريدة الثورة 10 /
4 2002 " تتدكّرون أيّام أزمة الكهرباء حين دعا الراحل الرئيس حافظ
الأسد الحكومة إلى إجتماع برئاسته بعد أن وصل وضع الكهرباء في سوريا
إلى حالة مزرية . في اليوم ذاته يوم الإجتماع تحسّن وضع الكهرباء بأكثر
من النصف دُهش الناس وهم يتساءلون أين كانت هذه الكهرباء مخفيّة . ثمّ
يضيف قائلاً – نظريّاً حتى الآن لم يطرح على الناس بعد برنامج الإصلاح
والتحديث والتطوير " هذا الكلام يأتي بعد سبعة أشهر من اعتقالي بتهمة
إعاقة هذا البرنامج . عمليّاً تسير الأمور في إطار النمو الطبيعي
للحياة المعتادة في حين أن أي تبنّي تنفيذي لمشروع تحديث يفترض أن يظهر
سخونة أداء أعلى بكثير لا سيما من وزراء الإنقاذ إن صحّ التعبير "
الإقتصاد والمالية " اللذان إلى الآن لا نعلم شيئاً عن كيف وإلى أين
يتجهان ؟؟ وتابع أيضاً – الكفاءة أهم من النظافة –ما هي مسؤولية الذين
يرشّحون ويختارون ويدعمون ويشجّعون عن اختيارهم لقادة إداريين يثبت عدم
قدرتهم وكفاءتهم . بالأمس أوقف مدير المصرف التجاري السوري فما هي
مسؤولية الذين رشّحوه واختاروه لهذا الموقع .؟.
هل تحتاجون أيّها السادة الآن أن أقسم لكم الأيمان المغلّظة بأنّني لست
مسؤولاً عن ترشيح وإختيار وتشجيع وتغطية أي مسؤول ثبت عدم كفاءته
وفساده بل كان ثابتاً جدّاً قبل تعيينه فمن هو المسؤول إذن ..
لقد إنهار سد مأرب " زيزون " لكن هل جرف مع ما جرفه من جهود نصف قرن في
إصلاح سهل الغاب . قلعة الفساد من الذين يرشّحون ودعمون ويختارون
ويشجّعون ويغطّون كل من لا يتّصف لا بالكفاءة ولا بالنزاهة ولا
بالفعاليّة وهي الأوصاف التي أعلنوا عنها أنها ستعتمد من الآن فصاعداً
عند تشكيل الحكومة الجديدة . فما ذنبي أنا في إنعدام هذه المواصفات
فيمن يعيقون جميع برامج التطوير والإصلاح ممّن يحتلّون مواقع
المسؤوليّة ولم أشغل يوماً أي موقع مسؤوليّة وأنا مواطن مصروف من
الخدمة بسبب من محاولاتي الدائمة لكشف المسؤولين عن الخراب والفقر
والبطالة والهجرة وإنعدام الفرص وإدامة التخلّف واليأس والبؤس . هل
بحثتم عن المسؤولين عن إنعدام مواصفات الكفاءة والنزاهة والفعالية فيمن
يرشّحونهم ويختارونهم ويدعمونهم ويغطّونهم على مدى سنوات طويلة ممّن
قضيت حياتي أحاكمهم أمام محكمة العلم والوطنيّة والضميروالذين كانوا
السبب في إفشال ومنع جميع محاولات الإصلاح على مدى العقود السابقة أن
تحقّق أهداغها لتحاكمونهم مرّة أخرى أمام محكمة القانون ولتبدأ بعدها
سوريا إنطلاقتها الجديدة على دروب التقدّم الإقتصادي والإجتماعي في
القرن الواحد والعشرين .. أما بشأن كيل الإتهامات إلى الدولة والإساءة
إلى السلطات العامة فكنت قد أوضحت في تحقيق الأمن السياسي أن مفهوم
الدولة أو السلطة العامة يقصد منه شخصيّة إعتباريّة وإنّما النقد يوجّه
دائماً إلى الشخصيّات الطبيعيّة التي تعمل في الدولة أو السلطات العامة
وهذا الحق مباح بموجب المادة " 377 " من قانون العقوبات والتي تنص على
أنّه " فيما خلا الذم الواقع على رئيس الدولة يبرأ الظنين إذا كان
موضوع الظن عملاً ذا علاقة بالوظيفة وثبت صحّته " إذن بموجب هذا النص
لا حرمة لأي مسؤول بإستثناء رئيس الجمهورية من الذم والقدح فيما يخص
قيامه بأعمال وظيفته . يقول المرحوم الدكتور محمد الفاضل في كتابه "
المبادىء العامة في قانون العقوبات " إن المادة " 407 " والمادة " 377
" من قانون العقوبات تبيحان الذم والقدح في معرض الدفاع أمام القضاء
وفي نقد الموظّفين فيما يتعلّق بقيامهم بأعمال وظائفهم . هذا وإنّني لم
أبح لنفسي إستخدام هذا الترخيص القانوني إذ أنّني لا أتعرّض لأي مسؤول
تعرّضاً شخصياً بل وأحاول دائماً عدم التلميح إلى أي مسؤول بإسمه
الشخصي بل أستعرض وأحلّل وأنتقد السياسات والوقائع والممارسات في الشأن
العام والذي أعتبره شأني الخاص بحكم حق المواطنيّة أوّلاً وبحكم واجب
الإختصاص ثانياً وبحكم الدفاع عن حقوقي الشخصيّة ثالثاً .
وأخيراً فإن دعوى الذم والقدح تشترط الإدعاء الشخصي ثم إن هذه الدعوى
لا تندرج في إطار إختصاصات محكمة أمن الدولة العليا المختصّة فقط في
النظر بالجرائم الواقعة على أمن الدولة المرتبطة بحالة الحرب القائمة
بيننا وبين العدو الصهيوني حسب تصريحات السيد وزير الإعلام المتتالية
فأي كلمة في التهم الموجّهة لي إذن من إختصاص هذه المحكمة . فليعد كلّ
منّا إلى موقعه وإختصاصه ففي ذلك الخير لسوريا الدولة والشعب والمستقبل
.
|
|
|