| |
غوبلز سوريا!
د. فاضل الخطيب
"كلما أسمع كلمة ثقافة أمدّ يدي إلى المسدس", هذا ما قاله
غوبلز, وزير شرطة هتلر.
وقد تكون هذه العلاقة الديالكتيكية بين الثقافة وبين سلطة
القمع واحدة, في عهد هتلر
وما قبل هتلر وما بعد هتلر.
وتاريخ المنطقة منذ عشرات القرون وحتى يومنا هذا يعكس هذه
العلاقة التناقضية ـ
التناحرية بين الثقافة وبين الاضطهاد,
بين حرية التفكير وبين سياسة السلطة.
وتظهر هذه العلاقة بوضوح واضح في سوريا, وفي تعامل نظام القمع
مع الكلمة والمثقفين.
المثقفون السوريون والذين يمثلون اليوم ضمير الوطن ووجدان
الشعب, يمثلون المستقبل
المنشود الخالي من كل أنواع القمع
واعتقال الكلمة.
وقد أعلن المثقفون وأثبتوها أنهم ليسوا محايدون, إنهم منحازون,
وهي تهمة لا
ينكروها, هم منحازون لمن هم "تحت"!
وموقف المثقفون في سوريا موقف تاريخي, وموقف النظام منهم موقف
تاريخيّ أيضاً,
إنه قمة الوطنية, إنه حضيض الغباء والجهل والخوف!
إن الاعتقال والتعذيب الذي يتعرض له ممثلي الكلمة الحرة, ممثلي
الرأي الآخر, هو
صورة عن سياسة غوبلز في سوريا,
إن التعذيب الذي يتعرض له المناضل فاتح جاموس والمناضلين
الآخرين هو صورة عن سياسة
غوبلز سوريا, وعلماء النفس
تدرك أن سبب القمع هذا هو الخوف, الخوف من الثقافة, الخوف من
الكلمة الحرة, لأن
"الثقافة ليست فعل تبعية عمياء ولا
تصفيق حمقى... ولا تتبع خطى أحد, بقدر ما هي فعل تغييري يساهم
في عملية الصراع
الاجتماعي والسياسي"
الثقافة التي تقود المجتمع السوري قبل أن تقوده الساسة!
إن مثقفي سوريا هم قادة المجتمع السوري الحقيقيين, هم الذين
يمثلون هاجسه وأحاسيسه,
يمثلون طموحاته ووحدته المتنوعة!
ويدرك الكثيرون أن أفكار وسياسة القمع البائدة والتي يمثلها
النظام غير قادرة على
المساهمة في خلق مواقف وحالات عصرية
.
وإن إحدى مميزات النظام السوري, أنه ليس مستعداً لمصارحة نفسه
قبل مصارحة الشعب,
إنه غير صادق مع نفسه, كما
أنه غير صادق مع الشعب,
وهذا النظام الذي يحاول إبطاء الزمن, مستخدماً كل ما ورثه من
أساليب القمع والترويض
والتدجين, هذا النظام لا يفهم أن
كسر الفولاذ أسهل من ثنيه, وأن ثني أحرار الوطن مهمة فاشلة لأن
مثقفي سوريا يؤمنون
بأن "الطغاة كالأرقام القياسية لا بدّ
أن تتحطم في يوم ما" كما عبّر عن ذلك محمد الماغوط!
ويدرك المثقفون أن الوطن بحاجة لأفراد لا تخفي الأخطاء
والجرائم, بل تكشفها وتعريها
للشمس.
انتم يا من كتبتم ما يستحق أن "يُقرأ" .. وفعلتم ما يستحق أن
"يُكتب"
أنتم يا أحرار سوريا المعتقلين, لا يهمكم ما يقوله رجال غوبلز
عنكم, لكنه يهمكم ـ
أعتقد ـ أن يعرف غوبلز ما يُقال عنه!
وكلمة أخيرة أقولها لبعض قيادات الحركة الوطنية السورية بأنه,
لا معنى لارتكاب
الأخطاء إذا لم تتعلموا منها!
تعلموا من مثقفينا الأحرار, لأنهم كالذهب الذي لا يتوضع عليه
الصدأ!
والمراهنة على الخارج ـ وخاصة على أمريكا ـ هي نفس المراهنة
على غوبلز سوريا, وأي
مساعدة خارجية يجب ألاّ تتعدى
الدعم السياسي, لأنه ليس بالتأكيد مصالح الوطن السوري تلتقي مع
مصالح أمريكا!
إن إجبار غوبلز سوريا على الإفراج عن الكلمة الحرة المعتقلة في
سجونه هي مهمة كل
وطنيي سوريا, ومهمة المقيمين في
المهجر مضاعفة!
معتقلي الرأي يدفعون ثمن "حريتنا" وثمن سكوت بعضنا, وثمن
مماحكاتنا.
فهل نستطيع تنفيذ جملة قالها حافظ الأسد يوماً وتقول "لا أريد
لأحد أن يسكت على
الخطأ أو يتستر على العيوب والنواقص",
هذه الجملة ستقضي على نظامه وعلى حكم أسرته!
إن موقف النظام من حرية الكلمة هي مثل طفل يسأل أمه: يمكن أن
أشاهد التلفزيون؟
فتجاوبه أمه: نعم, لكن لا تشغّله!
وسننشد لا محالة معاً ومن الشعر الشعبي:
"حيّ فالك يا سوريا ... فالك حيّ فال
طوّعت بالحرية ... غوبلزنا وزال
طوّعت فكره النازي .. يا ممتازي
حيّ فالك عمبتوازي .. صدمات ثقال"
وكما أن غوبلز سوريا مؤمن بسياسة غوبلز هتلر, لكنه لا يُدرك
نتيجة غوبلز وهتلر.
طريق واحد أمامهم وهم يحثّون السير
فيه, وطريق واحد أمام وطنيي سوريا وفي مقدمتهم المثقفين وهم
يحثّون السير فيه!
والكثير من الذين يعيشون في المهجر كلما ذُكرت إسم سوريا
يتذكرون معتقلي الرأي
ومثقفي الوطن, وكلما ذُكر إسم مثقف
معتقل تظهر خريطة سوريا في الذاكرة!
عند سماعه أول كلمة في أول سطر للبيان
أمسك مسدسه ونادى السجّان
لا خوفُ من إسرائيل, ولا من الأمريكان
ما يُؤرق سيد النعاج والخرفان
أن يسمع كلمة ثقافة, أو إسم لبنان
إنني على قناعة أنه على المثقف الحقيقي في ظل ظروفنا أن يكون
مستفِزاً أحياناً, وقد
يكون الاستفزاز هو المحرّك للخروج
من النمطية الراسخة الجاهزة, ونحن أحوج ما نكون إلى "هزّ تلك
الأفكار" الراكدة في
عقول الناس!
ورغم قناعتي أن النظام السوري غير قابل وغير قادر على الإصلاح,
لأن البدء بإصلاحه
يعني انهياره كأحجار الدومينو,
لكنني أقول للعارفين الصامتين:
"كل هذي النوق والفرسان لن تبغي السبيل
والحمار الغر يمضي فوق رأس القافلة"
بودابست, 19 / 6 / 2006, د. فاضل الخطيب
|