التعذيب.. الصمت = الموافقة

 رزان زيتونة *

02-03-2007 18:26

 
على الرغم من أن 141 دولة قد صادقت بحلول عام 2006 على اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لعام 1984، فإن التعذيب لا يزال يمارس بشكل منتظم أو متقطع في أكثر من نصف بلدان العالم، وفقاً لمركز البحوث وإعادة التأهيل لضحايا التعذيب (RTC الدانمارك).

سورية التي صادقت بدورها على الاتفاقية المذكورة عام 2004، تعتبر من الدول التي يمارس فيها التعذيب بشكل منتظم في مراكز التوقيف والاحتجاز وتأتي هذه الممارسة في ظل بعض القوانين الاستثنائية التي تحمي مرتكبي التعذيب "كما في المادة 19 مرسوم إحداث إدارة أمن الدولة"، جنباً إلى جنب مع اعتبار التعذيب جزءاً من سياسة الأمر الواقع ضمن الإجراءات العقابية المختلفة.

يهدف التعذيب إلى "تحطيم" الضحية عقلياً وجسدياً للحصول على معلومات، أو انتزاع اعترافات، أو نشر الرعب والذعر ضمن مجموع السكان (RTC). ويجري تعريفه في اتفاقية مناهضة التعذيب المادة الأولى على أنه "أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يلحق عمداً بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب يقوم على التمييز أيا كان نوعه أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص يتصرف بصفته الرسمية ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذين يكون نتيجة عرضية لها".

بينما لم تتضمن القوانين السورية مواد صريحة عن ممارسة التعذيب بالمفهوم السابق. معظم ضحايا التعذيب يصابون بأذى معنوي أو جسدي يحول بينهم وبين القدرة على العيش حياة طبيعية. فهم يعزلون أنفسهم عن الآخرين، وغالباً ما يجدون من الصعب الحديث عن تجربتهم حتى إلى أقرب المقربين. ومن بين آثار التعذيب على الصعيد الفردي، المعاناة من الكوابيس، ضعف تقدير الذات، الصداع المزمن، القلق، الإحباط، استرجاع لحظات التعذيب لدى الاستيقاظ وغيرها.

ولا تقتصر نتائج التعذيب على الضحية بل تمتد أحياناً لتؤثر على العائلة بأكملها وقد تمتد إلى أجيال عديدة (RTC).

انطلاقاً من ذلك تجهد عشرات المنظمات الدولية والإقليمية من أجل مناهضة التعذيب والحد منه ومعالجة ضحاياه وإعادة تأهيلهم. حيث توجد على سبيل المثال العديد من المواقع الأمريكية التي تنظم الحملات وتنشر الوعي حول التعذيب في غوانتانامو وسجن أبو غريب والسجون السرية الأمريكية. إحدى هذه المنظمات act against torture تقترح عشرة خطوات لمناهضة التعذيب يمكن تلخيصها بما يلي:

ثقف نفسك (القراءة عن الانتهاكات ذات الصلة بالتعذيب، المواثيق الدولية.. الخ)، تحدث عن ذلك (عندما تسمع أو تقرأ شيئاً حول التعذيب تحدث إلى الناس عن ذلك، ناقشه مع أصدقائك وزملائك، يقول مارتن لوثر كينج: حياتنا تبدأ بالنهاية في اليوم الذي نصبح فيه صامتين عن قول الأشياء ذات القيمة)، شارك في اجتماعات ومظاهرات ذات صلة، ابق على علم بآخر المستجدات، احصل على ملصقات حول مناهضة التعذيب، مثلا "نحو مناهضة التعذيب، الصمت= الموافقة"، ضعها على سيارتك أو دراجتك، اكتب رسائل إلى ممثليك في البرلمان وإلى السلطات للتعبير عن رفضك لممارسة التعذيب، اكتب وانشر مواد في الصحافة والإعلام حول الموضوع، اطبع "البوسترات" وضعها في منزلك، عملك، أو على الطريق، عندما تقرأ مقالات غير متداولة عن الموضوع قم بتوزيعها على الأصدقاء، اطبع بطاقات تتضمن معلومات عن التعذيب واتركها في المقاهي، المدارس، مقر العمل، محلات الثياب.. تبرع للمنظمات التي تعمل على مكافحة التعذيب، شجع الأصدقاء على اتخاذ مثل هذه الخطوات وبمعنى آخر، ابدأ بعمل أكثر تنظيماً.

قد تكون معظم الخطوات السابقة عصية على التطبيق في بلد مثل سورية، بحكم غياب الحريات العامة وسريان القوانين الاستثنائية ومجمل حالة القمع التي تشهد ارتفاعاً مستمراً منذ شهور.

لكن ذلك لا يمنع من الاعتراف بأننا لا نستغل كما يجب حتى المساحات الضيقة التي انتزعها المجتمع المدني خلال السنوات القليلة الماضية لحركته ونشاطه. ومن الملفت للنظر، أن العديد من الجماعات الإسلامية المتطرفة، قد بادرت إلى إنشاء المواقع الالكترونية والحملات المستمرة باللغتين العربية والانكليزية لإثارة مواضيع تتعلق بضحايا الحرب على الإرهاب ومعتقلي غوانتانامو وغير ذلك، فيما تغيب مجموعات العمل الحقوقية خاصة على الساحة السورية، عن مثل هذا النشاط البسيط لكن الهام.

وفي هذا الإطار يمكن اقتراح إنشاء مواقع الكترونية، تتيح لضحايا التعذيب تسجيل شهاداتهم وتبادل تجاربهم، خاصة في ظل غياب إمكانية خضوعهم لإعادة التأهيل. وكذلك التشجيع على إرسال الرسائل إلى المنظمات المعنية بمناهضة التعذيب من أجل مزيد من الاهتمام بقضايا التعذيب في سورية، إرسال رسائل السلطات المعنية التي قد لا تغير من واقع الأمور شيئا، لكنها تنقل القضية من خانة الأمر الواقع إلى الأمور المرفوضة التي تواجه سعياً لإلغائها ولفت النظر إليها رسمياً، إتاحة الاستشارات القانونية لضحايا التعذيب، إلى غير ذلك من الخطوات الممكن اتخاذها ضمن إطار المتاح حالياً.

وإن كانت جميع الخطوات السابقة تكاد تكون معدومة المردود على الصعيد الرسمي، إلا أنها على الأقل تشكل بداية من أجل نشر الوعي بقضية التعذيب كأحد أقبح أشكال العنف ارتكاباً بحق الإنسان.
 

* محامية سورية وناشطة في مجال حقوق الإنسان