التيار السوري الديمقراطي                            

                                               

 

20/06/2006                                                                               الصفحة الرئيسية   اتصل بنا   من نحن     

 
 

خواطر في التنمية المستدامة...

الدكتور المهندس محمد غسَّان طيارة

 

 
خواطر في التنمية المستدامة
إن التنمية الإدارية هي العنصر الأهم في أي توجه للتطوير والتحديث وعناصرها تتدخل في الثقافة والتعليم على نفس مستوى تدخلها في الاقتصاد، والنجاح في الإدارة ينعكس على نجاح المجتمع ككل0
وإن الخواطر التي كتبتها منذ زمن بعيد تبدو من نظرة سريعة كما لو أنها متباعدة ولكنها مرتبطة بجودة الإدارة ولهذا ومن السطر الأول لما سأبينه لاحقاً وضعت نصب أعيني بأنه لا يمكن نجاح ي عمل من دون إدارة ناجحة، وإن أضعف عنصر في مسيرة التنمية في الدول النامية يكمن في ضعْف التمنية الإدارية، ولهذا فإن نجاح كل خاطرة سأوضحها ستفشل من دون جودة التنمية الإدارية فهي رابطة هذه الخواطر فيما بينها0
1 ـ التوجه الاقتصادي لسورية:
إن جملة التطورات المحلية ( تعميق التعددية الاقتصادية ـ تنامي الحاجات الاجتماعية) تتطلب ضرورة زيادة مشاركة القطاع الخاص في تحمُّل العبْ الاجتماعي وزيادة مساهمته في الاستثمار لتحقيق أعلى معدلات في النشاطات الاقتصادية التي تسمح في رفع وتائر التنمية المستدامة، كما أن المتغيرات العالمية (انحسار الاقتصاديات المخططة مركزياً ـ التنافس العالمي على جذب التدفقات الاستثمارية) تفرض على سورية اتباع نهج اقتصادي يتناسب معها ويسمح لها بالاندماج التدريجي في الاقتصاد العالمي، ولهذا لا بد من التأكيد على النقاط الآتية:
أ ـ اعتماد التخطيط التأشيري في رسم السياسات الاقتصادية0
ب ـ التأكيد على الربحية في تحديد أولويات التنمية وذلك بالاستناد إلى دراسات الجدوى الاقتصادية الدقيقة لكل مشروع اقتصادي أو خدمي وبالاعتماد على تلبية حاجة الأسواق المحلية والعربية والدولية بسعرٍ تنافسي وجودة مطلوبة0
ج ـ مشاركة القطاع الخاص في تحمُّل العبء الاجتماعي (المشاركة في: إيجاد فرص عمل ـ التربية والتعليم ـ البحث العلمي ـ تحريك كمون السوق) من خلال نظام ضريبي تحفيزي يعتمد على مبدأ الحسم الضريبي لقاء هذه المشاركات0 (ملاحظة: سأحاول في مقالٍ لاحقٍ توضيح مفهوم الحسم الضريبي لأن معظم ما يقال لا علاقة له بمفهوم الحسم الضريبي علماً بأنني ألمحت إلى هذا الموضوع في مقالٍ لي نُشْر في نشرة "كلنا شركاء في الوطن" تحت عنوان "كنت وما زلت مع القطاع العام /3 بتاريخ 1/5/2006)0
د ـ تحرير القطاع العام من كل القيود التي تُعيق عمله وبما يسمح له العمل كتاجر في كل علاقاته مع الغير، وهذا يتطلب أنظمة مالية ومحاسبية متنوعة، وأنظمة عمل تتناسب مع طبيعة كل نشاط اقتصادي، وأنظمة عقود تتوافق معها0
هـ ـ دعم القطاع الخاص من خلال نظام مصرفي متطور يسمح لهذه المصارف مشاركة المستثمرين في نشاطاتهم أو إقراضهم بشروط سهلة وبضمانات واقعية تتناسب مع الاقتراض0
وـ تحديد أهم المؤشرات التي تساعد على:
1 ـ توزيع العبء الاجتماعي بين القطاع العام والخاص وبحسب حجم المنشآت الاقتصادية0
2 ـ تقويم المنشآت من حيث الربح والخسارة وعائد الاستثمار0
3 ـ جعل الأجر والترفيع الدوري أساسياً للتحفيز ومؤشر لمنح العلاوات الاستثنائية المشجعة على زيادة الإنتاج، والذي بدوره يؤيد إلى تعميق ارتباط العامل بمؤسسته0
4 ـ تسعير مدخلات الإنتاج ومخرجاته بأسعار السوق بالاعتماد على أنظمة تكاليف معيارية لحظية، وعلى بنك معلومات عن الأسعار التنافسية لمنتجات متشابهة0
إن جميع هذه المعطيات توضح بأن التوجه الاقتصادي يجب أن يعتمد على "الربحية في خدمة المجتمع" بغض النظر عن التسميات المختلفة مثل: اقتصاد السوق، الاقتصادي الحر، الاقتصاد اللبيرالي، الاقتصاد الموجه، ولن تخرج جميع هذه التسميات عن الهدف الأساسي لأي نشاط اقتصادي في تحقيق الربح وتحسين الحياة المعاشية للمجتمع0
لهذا يجب الابتعاد عن الصيغ الجاهزة للأشكال المختلفة للاقتصاد والتأكيد على الأهداف التي تحققها خطط
الإصلاح الاقتصادي والتنمية المستدامة والتي يمكن استنتاجها مما بيَّناه سابقاً:
1ـ الربحية0
2ـ التنافس العادل0
3ـ محاربة الاحتكار وسياسة الإغراق0
4ـ مراقبة الأسعار في الأسواق والتصدي لفوضى الأسعار0
5ـ العدالة الاجتماعية0
فإذا كانت هذه الأهداف من متطلبات اقتصاد السوق فإن التوجه الاقتصادي لدينا هو منسجم معه، وفي توافق الأهداف مع الاقتصاد الموجه فإننا سنبني اقتصاداً موجهاَ، وفي حال أن هذه الأهداف تتوافق مع الاقتصاد الحر فلن نخشى أن نسمى توجهاتنا الاقتصادية بالاقتصاد الحر0
ولهذا يمكن أن نحدد توجهاتنا الاقتصادية ب: الربحية والعدالة الاجتماعية0
2ـ العلاقة بين القيادة والحكومة:
تمارس حالياً القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي دور تحديد التوجهات وتتولى الحكومة مهام رسم السياسات اللازمة لتنفيذها، ولا نجد حاجة لإعادة النظر في هذه الصيغة فتوزيع الأدوار وفق هذا النمط شأنٌ مألوف في معظم دول العالم التي تمارس السلطة فيها أحزاب حاكمة، وإذا كان هنالك بعض الخلل فأغلب الظن أن السبب لا يعود للصيغة بحد ذاتها وإنما لطريقة تطبيقها0 فقد يحصل، أحياناً، بعض التداخل بين دور القيادة ومهام الحكومة، وأحياناً أخرى قد يحصل بعض التقصير في ممارسة كل مؤسسة لدورها، مما يقتضي الالتزام الدقيق من قبل المؤسستين بحدود دورهما وهذا يتطلب تحمُّلهما كلتاهما لمسؤولياتهما بدقة، ويعْتبر موقع السيد رئيس الجمهورية برئاسة هاتين المؤسستين وتوجيه سيادته للمؤسستين ضمانة مناسبة لتحسين هذه العلاقة بشكلٍ مضطرد0
3ـ العلاقة بين الحكومة ومجلس الشعب:
لقد حدد دستور الجمهورية العربية السورية دور مجلس الشعب كممثل عن كامل الشعب في الرقابة على تنفيذ خطط الحكومة بالإضافة إلى إقرار مشاريع التشريعات التي تقدمها الحكومة، وهذا الدور يتطلب من أعضاء الحكومة الإجابة الواضحة والصريحة على جميع أسئلة واستفسارات السادة أعضاء مجلس الشعب وحضور اجتماعات اللجان عند مناقشة المواضيع التي تهم عمل أية وزارة ومساعدة اللجان الخاصة التي يشكِّلها المجلس لدراسة مواضع تهم عمل الجهات التابعة للوزارات والتي قد يُثيرها أعضاء المجلس، كما على أعضاء الحكومة حضور جميع الجلسات العامة الخاصة بمناقشة مشروع الموازنة العامة للدولة وقطع الحسابات وتقرير تتبع تنفيذ الخطة والبيانات الوزارية، وقد تتعرض علاقة بعض أعضاء الحكومة إلى التوتر مع بعض أعضاء مجلس الشعب لأسباب مختلفة وهنا يستطيع السيدان رئيسا مجلس الشعب ومجلس الوزراء القيام بمهمة إزالة مثل هذا التوتر0
4ـ آلية العمل في مجلس الوزراء:
تعتمد فاعلية مجلس الوزراء على مشاركة جميع السادة الوزراء في جلسات المجلس ومناقشة المواضيع المطروحة على جدول أعماله، وللاستفادة القصوى من مدة الجلسة لا بد من التحضير الجيد لكل جلسة فيما يخص المواضيع العامة (لها علاقة بعدة وزارات) أو الخاصة (لها علاقة بوزارة محددة) المطروحة على السادة أعضاء المجلس وصياغة التشريعات التي من المفترض أن يقرونها في الجلسة، ولهذا من الضروري تجميع قوة قانونية قادرة على صياغة القانون ووضع مشروعات القرارات أمام السيد رئيس مجلس الوزراء، ولا بد من تخفيف أعباء السيد رئيس مجلس الوزراء في توقيع البريد وتفويض تسيير القسم الأكبر منه من قبل إدارات المجلس وتفويض السادة الوزراء ببعض الصلاحيات أي لا بد من تفكيك المركزية في اتخاذ القرار كما سيتم تفكيك التخطيط المركزي باتجاه التخطيط التأشيري0
إن نقل بعض صلاحيات السيد رئيس مجلس الوزراء إلى السادة الوزراء ونقل بعض صلاحيات السادة الوزراء إلى معاونيهم ومدراء الإدارات المركزية والمدراء العامين يُسهِّل عملية اتخاذ القرار ويسمح بمشاركة واسع للمسؤولين في إدارة عجلة التنمية0
5ـ مكافحة الفساد:
إن استعراض الإجراءات الماضية وما صدر من قوانين رادعة يدل على أننا لم تنمكن من القضاء على الفساد بشكلٍ كامل ونهائي، حتى أن نتائج الحد منه كانت غير مرضية في بعض المواقع، لأنها قد تستطيع أن تحد منه ولكن لن تنجح في إلغائه0
ويمكن ملاحظة أن الفساد ينقسم إلى قسمين أساسيين يتجليان في الفساد الإداري وفي الفساد الأخلاقي والمالي، وكل من هذين القسمين ينقسم إلى فئات مختلفة0
أ ـ من أهم ظواهر الفساد الإداري اختيار أشخاص غير مؤهلين في مواقع قيادية وتسليمهم مسؤوليات لا تتناسب مع إمكانياتهم العلمية وقدراتهم العملية مما يسمح في تأخير اتخاذ القرار وتفشي ظاهرة الفساد الأخلاقي، ومن أهم أسباب هذا الشكل من الفساد يعود إلى عدم توفُّر الأسس والقواعد العلمية للاختيار بالإضافة إلى الابتعاد عن الموضوعية وتغليب العاطفة والعلاقات الشخصية على سواها في تحديد ملائمة إمكانيات المسؤول مع الموقع الذي يشغله، ومن السهل تكرار عبارة "وضع الرجل المناسب في المكان المناسب" وما أصعب التطبيق العملي لها، فمن هو الرجل المناسب عندما لا نجد المعايير الحقيقية للتقويم؟0
ب ـ يظهر الفساد الأخلاقي في تفشي الرشاوى بين العاملين في الدولة بمباركة ومشاركة القطاع الخاص، ومن متطلبات مواجهة هذا الشكل من الفساد:
ـ تحسين دخل العاملين في الدولة عن طريق زيادة دورية للأجور تتناسب مع زيادات معدلات التضخم وتطور مستوى الدخل0
ـ بذل الجهود لمعالجة مشكلة البطالة أو الحد منها بمشاركة القطاع الخاص، مما يساهم في رفع وسطي دخل الأسرة0
ـ توسيع دائرة المشاركة وتحديد المسؤولية وتوزيعها على مختلف درجات السلم الوظيفي، ودعم سلطة الرقابة الشعبية المسؤولة والواعية في مجلس الشعب والمنظمات0
ولا بد هنا من التأكيد على النقطتين التاليتين:
ـ لم تحاسب الحكومة المتعاقبة أو القيادة السياسية الأشخاص الذين يرشحون بعض المواطنين من العاملين في الدولة ومن غير العاملين لاستلام المسؤولية في مواقع هامة، بل على العكس نستمر اتباع نفس الأسلوب ويتم مشاركة نفس الأشخاص في الترشيح، فلو تمكنا من محاسبة من رشَّح بعض الفاسدين إلى مواقع المسؤولية لتمكنا من تخفيف حدة اللاموضوعية في الترشيح0
ـ من الضروري البحث عن أشكال متطورة لاختيار المسؤولين والاستفادة من تجارب الآخرين في الاختيار والتدريب على تحمل المسؤولية0
ـ تُعْتبر التنمية الإدارية عنصراً مهماً في التخفيف من تأثير الفساد0
ـ إن المسابقة التحريرية والاختبار الشفهي لن يؤديا إلى اختيار الأفضل للتعين0
ومن الضروري وضع برامج تدريب وتأهيل لكل قادمٍ جديدٍ للعمل الذي يحتاج إلى فترة زمنية غير قصيرة، ولا يجوز تثبيت أي من العاملين في الدولة مهما علت مسؤوليته إلا بعد أن يثْبت نجاحه في عمله مهما طالت أو قصُرت مدة تواجده في موقعه، ولعل أصعب مسألة تعاني منها الدول النامية ومنها سورية تتجلى في صعوبة تصميم برامج التأهيل والتقويم ووضع برامج التأهيل المستمر في إداراتنا العامة والخاصة على حدٍ سواء0
6ـ التطوير الإداري:
لقد كُتب الكثير عن التنمية الإدارية وفسر البعض بأن إصدار القوانين من أهم عناصر التنمية الإدارية، واعتبر آخرون بأن توزيع المسؤوليات هو العنصر الأساسي للتنمية الإدارية، وهناك من يقول بأن التنمية الإدارية تبدأ من توصيف الوظائف والأرشفة والنمذجة، ولعل كل ما ذكرته يدخل ضمن عناصر التنمية الإدارية، ولكن لم نجد الجواب الأصح على السؤال الآتي: من أين نبدأ؟!0
ولهذا لا بد من عقد ورشة عمل يُدعى إليها المهتمين في التنمية الإدارية، على أن يكون الإعداد جيداً لهذه الورشة من خلال تشْكيل لجنة تحضيرية من المختصين لوضع تصور أولى لمحاورها، ولا يجوز أن نحدد مدة قصيرة لعمل هذه الورشة، ويمكن جعل جلساتها مسائية لإفساح المجال أمام مشاركة أكبر عدد من المسؤولين وكاقتراح عملي يمكن إتباع ما يلي:
ـ تشكيل لجنة تحضيرية من سبعة إلى عشرة مهتم بالتنمية الإدارية، وعلى هذه اللجنة تحديد محاور الحوار بشكلٍ أولي0
ـ يشارك مهتمون في مناقشة هذه المحاور وبما لا يزيد على أربعين مهتماً0
ـ يتراوح عدد المسؤولين المشاركين وفي مقدمتهم السادة الوزراء ما بين عشرين وأربعين مشاركاً0
ـ يناقش المشاركون المحاور الأولية ويتفقون عليها بشكلها شبه النهائي، بحيث يمكن إضافة محور جديد خلال مناقشة المحاور المتفق عليها0
ـ لا يجوز الانتقال إلى المحور التالي إلا بعد الانتهاء من مناقشة كل محور0
ـ تُشكَّل لجنة مصغرة لصياغة ما تم الاتفاق عليه في كل محور0
ـ يجوز تشكيل لجنة مصغرة لترتيب بعض الأفكار التي طُرِحت عند صعوبة التوصل إلى رؤية مشتركة فيما يخص محور أو أكثر احتد الخلاف حولها، وتُعرض هذه الأفكار على المشاركين بهدف تحْديد مسار مناقشة المحور المخْتلف حوله، وهذا يعود إلى رئاسة جلسات الحوار0
إن النقاط التي بينتها ليست سوى مقترحات أولية يمكن تطويرها عندما تُقرر الحكومة الأخذ بها واللجنة التحضيرية للورشة صاحبة الحق بتحديد طريقة تنفيذ الورشة0

دمشق في 15 حزيران 2006 الدكتور المهندس محمد غسَّان طيارة