التيار السوري الديمقراطي           

                                               

 

20/07/2006                                                                               الصفحة الرئيسية   اتصل بنا   من نحن     

 
 

 
وظلم ذوي القربى...الدكتور المهندس محمد غسَّان طيارة

20-07-2006 08:39:42


في منتصف السبعينات قال كسينجير من طهران بما معناه: إن إسرائيل ستشكرني كثيراً لأن حرب سنة 1973ستكون آخر حروب العرب معها، وعندما يقول وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية مثل هذا الكلام يعني أن مهمة جديدة أُعْطيت لمراكز البحوث الإستراتيجية المنتشرة في أمريكا للتحضير والاستعداد لحماية "الدولة العبرية" من أي حرب مقبلة قد يفكِّر القيام بها أي بلد عربي، وكان ذلك قبل فترة عدة سنوات من زيارة السادات إلى "الدولة العبرية"، وبالفعل تمكنت الإدارة الأميركية من التخطيط لاتفاقيات كامب ديفيد وأسلو ووادي عربة، وطبعاً فإن الاتفاقية الأهم هي اتفاقية كامب ديفيد حيث أخرجت مصر الدولة العربية الأكبر من حلبة الصراع مع العدو الصهيوني0
وما إن قامت الثورة الإسلامية في إيران حتى ظهرت خطة أميركية لدعم صدام حسين عسكرياً حتى يعْتدي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية في حرب طويلة امتدت حوالي تسعة سنوات0
وحتى لا يتمكن صدام حسين من الاستفادة من تجاربه وإمكانياته العسكرية وجهته نحو اجتياح الكويت بواسطة القائمة بأعمال السفارة الأميركية في بغداد، كما هو معروف، ومن ثم عمدت لقيادة تحالف قوي لتدمير قوة العراق الاقتصادية والعسكرية، وما كان ليحدث ذلك لولا الخطط التي تقوم بها مراكز البحوث الإستراتيجية الأميركية، وعندما تمكن صدام من إعادة بناء قوته الذاتية شنت واشنطن حربها ضده بحجة وجود أسلحت الدمار الشامل، وبعد أن تأكد لخبرائها عدم وجود مثل تلك الأسلحة تعود واشنطن لتقول أنها تبني الديمقراطية في العراق0
إن كل ما يحْدث الآن في العراق هو من تخطيط أمريكي صهيوني يهدف إلى إضعاف العراق ليخرج من حلبة الصراع مع الدولة الصهيونية حتى تبقى حرب 1973 آخر حروب العرب مع إسرائيل0
كل ذلك يدل على أن الإدارة الأميركية تخطط في السياسة لسنوات طويلة وتضع سيناريوهات متعددة لتحقيق خططها ومن الطبيعي أن يكون لـ "الدولة العبرية" دور مهم في تنفيذ تلك السيناريوهات0
وأورد دليلاً آخر على مثل هذه الخطط الجهنمية، التي وضعتها الإدارة الأميركية منذ أيام ترومان بعد الحرب العالمية الثانية وهي خطة تفكيك الاتحاد السوفياتي، وقد أكد ذلك الرئيس الأميركي كلينتون في صيف 1993 أثناء مناظرة له مع الرئيس جورج بوش الأب0
لقد جاء على لسان بوش في تلك المناظرة أنه حقق انتصارات كبيرة في عهد ولايته فقد تمكن من تحرير الكويت وعقد مؤتمر السلام في مدريد وتمكن من تفكيك الاتحاد السوفياتي، وكان جواب كلينتون في تلك المناظرة أنها خطط موضوعة من قبْلِك، ومنذ عهد ترومان وُضِعَت خطة لتفْكيك الاتحاد السوفياتي، أي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945 وحتى 1991 وهذا يعادل 46 سنة من التخطيط المستمر0 ومن المؤكد أن تكون إسرائيل قد لعِبت دوراً هاماً في هذه السيناريوهات، ولعل ما تناولته وسائل الإعلام عن الأكاديمي ساخروف (يهودي روسي) وعن قوة المافيا الروسية وعن الغناء الفاحش لليهود من أصل روسي يؤكد ذلك الدور (كان للصهيونية العالمية دوراً في هذا الانهيار)، وهي أدلة على مشاركة الصهاينة في تنفيذ الخطط الأميركية0
لقد خططت إسرائيل مع الولايات المتحدة الأميركية لتحقيق الحلم الصهيوني الذي تحدث عنه بن غريون وأكدته غولدا مايير وهو وارد في برتوكولات حكماء بني صهيون، حول قيام دولة عظمى في إسرائيل قوامها عقل وذكاء الصهاينة وأموال وعمال الأعمال العضلية العرب، وهو ما تدعو إليه الولايات المتحدة الأميركية وتسميه الشرق الأوسط الكبير الديمقراطي على الطريقة الأميركية ووفق ما يحْدث في العراق0
لقد خاب ظن واشنطن وخطط وزير الخارجية في حينه كسينجير في بعض التفاصيل التي بدأت تدمر أحلامه وأحلام الصهاينة، فكل الخطط لم تأخذ بعين الاعتبار قيام الثورة الإسلامية في إيران وكذلك انتفاضة الحجارة في الأقصى الشريف (الأولى والثانية) وحركة حماس وجناحها العسكري وحزب الله، وهي التي تهدد كل الأحلام والخطط الأميركية الصهيونية0 (لا يُسْتبْعد أن تكون مراكز البحوث الإستراتيجية الأميركية تُعِد خطط لتدمير الثورة الإسلامية في إيران)0
لقد ظهرت بوادر هذه الخطط في الدور المرسوم لبعض القادة العرب من خلال تحذيراتهم للبلاد العربية، وعلى وجه الخصوص دول الخليج العربي، من التعاون مع إيران "لأطماعها" في الوطن العربي "وتهديدها" للخليج العربي في حال تخصيب اليورانيوم، وكأن الرؤوس النووية الإسرائيلية هي حمائم سلام في نظرهم0
إن بعض القادة العرب يُركِّبون الحجج الواهية على حركة حماس وحزب الله في إشعال المنطقة كما لو أن قنابل " الدولة العبرية" التي تصطاد الأطفال والنساء في قطاع غزة أقل خطورة من حجارة الأطفال التي تواجه دبابات العدو الصهيوني0
لقد أهمل هؤلاء القادة العرب المجازر اليومية التي يتعرض لها الشعب العربي الفلسطيني والحصار الاقتصادي الذي فرضته "الدولة العبرية" بعد نجاح حماس في الانتخابات البرلمانية وقبل أسر الجندي الإسرائيلي، وتناسوا الاغتيالات الأخيرة في صيدا وخلية التجسس التي تم إلقاء القبض على بعض عناصرها وقد سبقت أسر الجنديين الإسرائيليين0
هناك حقائق لا يمكن أن تضيع بين تصريحات بعض القادة العرب:
ـ حصار مفروض على الشعب العربي في فلسطين بعد تشكيل حكومة حماس وقبل أسر الجندي الإسرائيلي بعدة أشهر0
ـ اغتيالات لقيادات حماس في فلسطين ومجزرة شواطئ غزة التي جرت بتاريخ 9حزيران 2006 بينما عملية الوهم المتبدد التي تمكنت المقاومة الإسلامية من أسر الجندي الإسرائيلي جرت بتاريخ 25 منه، قد نفهم وجود عمى ألوان لدى بعض القادة وليس تعامي عن حقائق في التاريخ0
ـ اغتيال مسؤول حركة الجهاد الإسلامي محمود المجذوب وأخيه نضال جرت بتاريخ 26 أيار 2006 0
ـ إلقاء القبض على رأس شبكة تجسس في لبنان محمود قاسم رافع التي مارست الاغتيالات والتفجيرات منذ سنوات عديدة ومديدة وقد أعلن عنها بتاريخ 12 حزيران 2006 وهذا قبل ما يقارب شهر من أسر الجنديين إسرائيليين0 فهل الجنود الإسرائيليين هم أولاد الست وأسرانا وقتلانا هم أولاد الجارية بنظر أولئك القادة؟0
ـ لم يحرك القادة العرب ساكناً بشأن الأسرى العرب في سجون العدو الصهيوني وعلى وجه الخصوص الأطفال والنساء والشيوخ منهم0
إذا أهمل القادة العرب هذه الأمور فلا يحق لهم تبرير همجية الصهاينة بسبب أسر ثلاثة جنود في معارك عسكرية وعلى أراضي عربية محتلة من قبل الصهاينة، وعلى وجه الخصوص أن "الدولة العبرية قامت بمجازر مرعبة ولم يتحرك القادة العرب لردعها كما وقف المجتمع الدولي بقيادة واشنطن "الديمقراطية" متفرجة على ومبررة تلك المجازر0
أنه ظلم ذوي القربى الأشد من كل قنابل العدو الصهيوني، بالإضافة إلى أنه ليس من حق أي قائد عربي مطالبة حركة حماس أو حزب الله اطلاعهم على خططهم لتحرير الأسرى، وخاصة أنهم ولسنوات مديدة برهنوا على عدم مبالاتهم بقضيتهم، علماً بأن الأمين العام لحزب الله قد وعد سمير قنطار وزملائه بأسر جنود إسرائيليين قبل تنفيذ وعده بأقل أو أكثر من شهرين على ما أذكر0
إن الأحداث التي تجري في كل من العراق وفلسطين ولبنان متشابهة فيما بينها بأن الدم العربي هو الذي يسيل فيها رخيصاً، وأن الهدف منها تدمير آخر آمال الشعب العربي في الاتفاق فيما بينهم وليس الوحدة حتى تصبح "الدولة العبرية" هي القوة الوحيدة المسيطرة على مقدرات بلاد العرب، ولم تستحِ تل أبيب عندما عبرت عن ذلك كما بينا سابقاً0
لقد خطط الصهاينة منذ ما يقارب القرنين لهذه الأحداث، كما هو واضحٌ في بروتوكولاتهم، ونام العرب والمسلمين خلال هذه المدة الطويلة، وفي هذه الأيام تواجه المقاومة الإسلامية في لبنان وفي فلسطين لوحدهما هذه المخططات على الرغم من مواقف التخاذل التي وقفتها بعض القيادات العربية بحجج واهية واضعة الحق على قيادة المقاومة كما لو أن إسرائيل دولة مسالمة وأن أسر جندي إسرائيلي من أصل فرنسي أو أن أسر جنديين في لبنان هما السبب فيما تقوم به إسرائيل، متناسين أن لبنان وفلسطين في حالة حرب فرضتها عليهم "الدولة العبرية" في الاغتيالات والمجازر المستمرة0
إن أهم ما يتميَّز به القادة العرب هو:
ـ التمسك بكراسي الحكم حتى آخر نقطة دم من أبناء أوطانهم0
ـ الجهل الكامل أو التجاهل لكل الأحداث السياسية والمخططات والمؤامرات التي تحاك على الأوطان العربية لحماية كراسي حكمهم، وقد قال عنهم موشى ديان في مذكراته بأنهم لا يقرؤون0
وهنا يجب أن نُذكِّر بما قاله الأمين العام للجامعة العربية السيد عمرو موسى في مؤتمره الصحفي بعد اجتماع وزراء الخارجية العرب: "إذا ما فشل مجلس الأمن الدولي، إذن ليس أمامنا إلا الحديث عن السلاح"، وها قد فشل مجلس الأمن فأين السلاح، وطبعاً لا يملك السيد عمرو موسى أي سلاح، وطبعاً لن يستطيع أن يطلب من أولئك القادة العرب بأن الوقت قد حان للجوء إلى السلاح، أنني أرثى لحاله، ومن حقنا عليه أن نطالبه بالاستقالة وعندها يصبح من حقه أن يقود جمهورية مصر العربية نحو تحريرها من اتفاقية كامب ديفيد الخيانية0
وخلال اجتماع وزراء الخارجية "العرب" الأخير سمعنا العبرات التالية:
ـ وزير خارجية سورية يقول: بينما أنا في الطائرة من دمشق إلى القاهرة لحضور الاجتماع، رأيت البوارج الإسرائيلية تقصف المدن اللبنانية، فحلمت أن الاجتماع الوزاري سيخرج بمواقف داعمة للبنان ولحزب الله،
ولكن رأيت، حتى قبل الاجتماع، أن بعض الأطراف خرجت بمواقف أفشلت الاجتماع قبل أن يبدأ0
ـ جواب وزير خارجية المملكة العربية (عفوا يمكن أن تكون الإسرائيلية) السعودية: أحلام شيطانية لا يمكن الاستجابة لها، إن الدول العربية غير مستعدة للتخلي عن العمل العربي الموحد للنزول إلى مثل هذه الأحلام0
ـ تأييد وزير خارجية الكويت (ويقال عن أمرائهم يهود الخليج): يا معلِّم، لا يمكن أن نُعْطي دفة الأمور، لكي تديرها منظمات كحماس وحزب الله0
وعندما حاول وزير خارجية قطر التهدئة وطالب الاستجابة لمطالب الشارع العربي ينبري وزير خارجية الكويت ليرد: عن أي شارع عربي تتكلم، عن الشارع الذي هتف لصدام حسين وأبو مصعب الزرقاوي، وكان الاثنان على خطأ0 هذا الشارع غير موجود0
ـ يرد وزير خارجية المملكة الأردنية الهاشمية (اعتقد أن هاشميتهم تنتمي إلى سبط أبو لهب): إن الشارع العربي غير منضبط، وأعماله لا تخدم العمل العربي المشترك0
وحتى لا أنسى أذَكَّر بما يلي:
ـ بعد انتهاء مؤتمر القمة العربي الذي عُقِد في بغداد ما بين 28 و30 أيار 1990، قام صدام حسين بقيادة سيارة مكشوفة بنفسه وركب معه أمير الكويت وكانا في غاية المرح والسرور، وفي ذلك الوقت كان وزير الخارجية الكويتي طفلاً في العمل السياسي، وبعد ذلك وفي الأول من آب 1990 يهاجم هذا الصدام الكويت ليحتلها0 فهل كان صدام حسين في حينه ذلك الحمل الذي أيده الكويتيون بأمرٍ من أميرهم، وأصبح بعد ذلك هو البعبع الذي جعلهم يهرولون من بلادهم0
ـ في حفلة استقبال في سورية وقبل هجوم صدام على الكويت جلست إلى طاولة واحدة مع سفير الكويت، وقد ذكرته بما قاله الزعيم الخالد حافظ الأسد، رحمه الله، لأمير دولة الكويت بأن صدام حسين ما أن ينتهي من حربه ضد إيران حتى يشن عليكم الحرب لأن من طباعه وسياسته أن يحارب بجيشه أم داخل العراق أو دول الجوار، وكم هو من المؤسف أن الكويت في ذلك الوقت امتنعت عن دفع ما قررته القمم السابقة إلى سورية كإحدى دول المواجهة مع العدو الصهيوني بحجة أن لديكم حربكم مع إيران0
إن الصدفة الغريبة جمعتني مرة ثانية مع ذلك السفير بعد اجتياح صدام حسين للكويت وذكَّرته بما قلت له سابقاً، فكان جوابه: هل أنت شامت بما حدث لنا؟!، من الطبيعي، قلت له، بأننا في سورية نبكي على الوضع العربي المأساوي، ولم نعتاد الشماتة بأحد وسنقف معكم حتى تحرير الكويت0
أما فيم يخص الوصف غير الأخلاقي للشارع العربي الذي جاء على لسان بعض أولئك الوزراء فقد رد عليهم القائد الخالد حافظ الأسد منذ زمن بعيد في إحدى إجاباته على سؤال صحفي عن رأيه بالحركات الإسلامية المتطرفة فقد قال بما معناه: إن الوضع العربي المتخاذل يؤدي إلى تقوية المنظمات الإسلامية المتطرفة، وأبرر للشباب الانتساب لهذه الحركات بسبب اليأس والإحباط من القادة العرب، ولو كنت شاباً قد أنتسب لمثل هذه التنظيمات0
إن وجود مثل هؤلاء الملوك والقادة العرب ووزراء خارجية على شاكلتهم هو الذي يشجِّع على انتشار ظاهرة الزرقاوي وبن لادن، وهذا سيؤدي حتماً إلى هلعهم وخوفهم في المستقبل القريب0
ـ إن هذا الوصف غير المسؤول من قبل وزراء خارجية بعض الدول العربية (الأفضل أن نسميهم نشطاء الصهيونية) للشارع العربي هو الوصف الذي قاله موشى ديان في قادتنا وفي شارعنا، وفيه تأييد للعدوان الإسرائيلي على فلسطين وعلى لبنان يفوق التأييد التي حظيت به "الدولة العبرية" من واشنطن ومن الصهيونية العالمية ومن الصهاينة أنفسهم في فلسطين المحتلة0 لقد أتى من بين ظهرانينا وفي غفلة من المواطنين العرب من المحيط إلى الخليج، وهو ما يُسمى "وظلم ذوي القرب أشد من وقع الحسام المهند"0
والحجة الضعيفة التي ساقها بعض قادة الدول العربية تؤكدها بروتوكولات حكماء بني صهيون، كما تؤكدها خطط السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية كما بينا سابقاً 0( يبدو أن بعض القادة العرب أتقنوا لعبة الأحرف، فالأحرف التي تشكِّل كلمة "العربية" هي نفسها التي تشكّْل كلمة "العبرية، وقد اعتادوا على الكلمة الثانية في عقلهم الباطني، ويتخفَّون تحت الكلمة الأولى)0
وفي كلمة أخيرة أشير إلى أن المساعدات التي قدمتها السعودية والكويت إلى لبنان تقل عن الأرباح التي حققها أي أمير منهم له حصة في بيع النفط خلال فترة الحرب الهمجية التي بسببها ارتفع أسعار بيع النفط الخام، ومن حق الشعب اللبناني رفضها لأن فيها سموم التصادق مع الصهيونية العالمية0
إننا أمام خيارين لا ثالث لهما فأما أن ننتصر للمقاومة وننتصر معها أو نخذلها فتنهزم "لا قدر الله" ونضيع من بعْدها، وعندها لن تقوم لنا قائمة لمدة مائة سنة قادمة0
وستنتصر المقاومة بإذن الله وعندها لن تنفع "الدولة العبرية" خطط كسينجير والدراسات التي قامت بها مراكز البحوث الأميركية0

دمشق في 20 تموز 2006 الدكتور المهندس محمد غسَّان طيارة