|
|
| |
لماذا يعرب التلفزيون
السوري باعتباره فعل ماض ناقصاً؟!
حكم البابا
لو أن وزير الاعلام السوري وعد الصحافيين السوريين الذين
التقاهم قبل أقل من شهر في جريدة الثورة السورية بجعل البقرة
تبيض، والدجاجة تدر الحليب، والأسماك تقطف من الشجر، والخضار
تصطاد من البحر، لكان بالامكان تصديقه، واعتبار تحقيق هذه
المستحيلات المعاندة لقوانين الطبيعة ممكناً، خاصة وأن الوزير
بلال قادم من مهنة الطب، وربما تكون لديه تجاربه الخاصة في
الاستنساخ والاستنبات. أما وأنه وعد الصحافيين بأن يكون
التلفزيون السوري وكل أحرف العلّة المضافة إليه من جرائد تشرين
والبعث والثورة، إلي وكالة سانا السورية للأنباء، مصدر الخبر
السوري، فهو إما أنه يظن أنه يحاضر في مجموعة الأطفال المصابين
بالشلل الدماغي، الذين شاركوا قبل أشهر في إدانة تقرير ميليس
باعتصامهم ضده فيما سمي حينها بخيمة وطن، وليس أمام مجموعة من
صحافيي سورية، أو أنه قرر ادعاء النبوة، ومنافسة مسيلمة الكذاب
باطلاقه مثل هذا التصريح!
فأهون علي أن أصدق خبراً عن احتلال سورية للصين، من أن أصدق
بأن الـ CNN تنقل خبراً عن التلفزيون السوري وتعامله باعتباره
ذا مصداقية، واستطيع أن أهضم بأن سكان الأسكيمو يمشون بالبكيني
في قطبهم الشمالي، إلاّ أن عقلي لن يستوعب أن تنقل الواشنطن
بوست خبراً عن تشرين، والفيغارو آخر عن الثورة، والانديبندنت
ثالثاً عن البعث، ويمكن لشخص ما أن يضحك علي عقلي، فأصدق بأن
حكومة قبرص استأجرت باخرة لجر جزيرتها ونقلها من البحر المتوسط
إلي البحر الأسود، لكني لن أصدق أي انسان يحاول أن يأكل بعقلي
حلاوة، فيتحدث عن إمكانية أن تصبح وكالة الأنباء السورية سانا
مصدراً اخبارياً لأية وسيلة اعلامية عالمية، فعادة مايكون كرار
الورق الذي يعلق فيما يسمي بالانكليزية W.C، أهم بكثير من كرار
الورق الذي يحمل أخبار سانا ويصدر عن الجهاز الخاص بها، في
مبني أي وسيلة اعلامية يوجد فيه الكراران.
ورغم ايماني الراسخ بأن كلام الوزير بلال ليس أكثر من محاولة
لتكرير الماء بهدف الحصول علي البنزين، وبأن التلفزيون السوري
الذي ينتمي إعراباً إلي أفعال الماضي الناقصة، وجرائد تشرين
والبعث والثورة التي تعرب عادة باعتبارها أحرفاً مشبهة بالفعل،
ووكالة سانا التي لامحل لها من الاعراب أساساً، لن تكون
بامكانها أن تصبح المصدر الأول للخبر السوري من الآن وحتي يوم
القيامة، إلا أنني حملت نفسي وذهبت إلي أحد العرافين، ليبصر لي
في مستقبل الاعلام السوري، فرمي الودع، وأشعل البخور، وتمتم
التمائم، ثم أراني علي الماء بأن كلام الوزير بلال قابل
للتحقيق قابلية نزول أول انسان إلي كوكب الشمس.
ورغم قناعتي الأكيدة بأن تصريحات الوزير بلال تشبه الفستان
المصنوع من قماش رديء، والذي يكش ويقصر ويضيق حجمه عند أول
غسله، إلاّ أنني نذرت النذور في المساجد واشعلت الشموع في
الكنائس، من أجل ألاّ يحمل أي جهاز من أجهزة الدولة دبوساً،
ويقربه من بالون تصريحات الوزير بلال، ولكن الله لم يستجب
لابتهالاتي ودعواتي ونذوري، لا لأن دعائي غير مسموع، ولكن لأني
أدعو لتحقيق معصية وارتكاب اثم، فلم تترك أجهزة المخابرات
للوزير بلال أربعين يوماً مهلة نفاس تمر علي ولادة تصريحاته،
وبعد أقل من شهر علي سعادته باطلاقها صنعت له خبراً سورياً
مميزاً، باعتقالها عدداً من المثقفين والكتاب والنشطاء
السوريين وعلي رأسهم الكاتب ميشيل كيلو والمحامي أنور البني،
الذين لم تبق وسيلة اعلامية عربية إلا وأفردت مساحات لأخبارهم
في نشراتها الرئيسية أو في صفحاتها الأولي، باستثناء مؤسسات
الوزير بلال الاعلامية التي بخلت علي هؤلاء المعتقلين بخبر
صغير، إن لم يكن في النشرة الاخبارية، فعلي الأقل في الشريط
الاخباري، وحتي ياسيدي في برنامج (الشرطة في خدمة الشعب) الذي
يستضيف المجرمين!
وماهو موقف الوزير بلال فيما لو ذكّره صحافي بتصريحاته عن
الاعلام السوري الذي سيكون المصدر الأول للخبر السوري؟ هل
سيزاود عليه ويعتبر أن الخبر ليس سورياً، ويرد علي الدهشة التي
ستظهر علي وجه الصحافي بقوله: لاتستغرب فكل الذين اعتقلوا
مرتبطين بالمشاريع الخارجية، ويلف ويدور في حديث عن المواجهة
مع العدو الصهيوني وربيبته أمريكا، والمواقف الثابتة، وبأن
تحرير فلسطين يبدأ من اعتقال ميشيل كيلو، وضرب المشروع
الأمريكي الامبريالي لايمكن انجازه إلا بعد سجن أنور البني،
وأن التمسك بالثوابت يمر بحبس علي العبد الله، ليؤكد بعدها
للصحافي -الذي سيصاب بالشقيقة من حديثه ـ بالدليل القاطع أن
الخبر ليس سورياً، ولذلك تجاهلته وسائل الاعلام السورية!!
وماالذي سيقوله للمشاهد السوري الذي يستوقفه ليسأله بعد شكره
علي أنه اعترف بالحدث: طيب ولو افترضنا أن الخبر ليس سورياً
لكنه خبر عن حدث حصل، فلماذا لم نسمعه من تلفزيونكم وصحفـــكم،
بينما لم تبق قنـــــاة تلفزيونية إلا وبثته، هل سيرد الوزير
بلال بكل ثقة علي هذا المشاهد بالقول: ان سياسة سورية الثابتة
هي عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأية دولة أخري، وباعتبار أن
هؤلاء المعتقلين مرتبطون بالمشروع الخارجي، فالحديث عنهم يعتبر
تدخلاً، ثم يمد يده إلي خرجه، ويخرج منه عدة السحر البعثية
فيبدأ بمحاضرة عن الاعلام المشبوه الأصفر المزرق المخلوط
بالأخضر الحشيشي، الذي يتعارض مع مبادئ وثوابت الاعلام السوري
الملتزم والهادف والبناء باللونين الأبيض والأسود.
وكيف سيجيب الوزير بلال أي مراسل أجنبي يسأله عن رأيه في التهم
الموجهة لميشــــــيل كيلو وأنور البني ورفاقهما المعتــقلين،
والتي لو عرضت نصوصها علي عادل إمام لكنا سنشاهد في العيد
القادم فيلماً جديداً من بطولته، وقد كتـــب تحت اسمه (ساعتان
من الضحك المتواصل)، وكيف سيجـــيب المراسل عن عدم استيعابه
وجود تهم في أي قانون، عقوبتها تتراوح بين السجن المؤقت
والاعدام، حتي ليخيل للانسان أن محاكمتهم ستجري في مزاد علني
وليست في محكمة!
وبالرغم من أنني متأكد بأن لدي الوزير بلال جواب لكل سؤال حتي
لو كان عن ارتفاع أسعار البطاطا، ولابد لهذا الجواب أن يمر
بفلسطين، ويعرج علي المقاومة اللبنانية، ويستريح عند نضالات
الشعب الفلسطيني، ويأخذ نفساً مع العمليات الموجهة ضد الاحتلال
الأمريكي في العراق، ويبل ريقه في التضامن مع حق ايران في
الحصول علي التقنية النووية، إلا أنني أود أن اسأل الوزير بلال
ســــــؤالاً شخصياً: ألم يشعر بالغيرة من عمار قربي رئيس احدي
جمـــــــعيات حقوق الانسان السورية غير المرخصة، الذي تحول في
أيام الاعتقـــــالات إلي وزير اعلام سورية الفعلي، في حين
اكتفي الوزيـر بلال من الوزارة بالسيارة والمكتب والسائق
والحاجب والمرافق والراتب والبدلة وربطة العنق واللقب؟ وأنا لا
أنتظر جواباً من الوزير بلال، فهذه البقايا من الوزارة كانت هي
الهدف الأساسي لكل وزير اعلام سابق، وستكون هي الطموح الأعلي
لكل وزير اعلام لاحق!
كاتب من سورية
hakambaba@hotmail.com
|
|
|