التيار السوري الديمقراطي           

                                               

 

22/07/2006                                                                               الصفحة الرئيسية   اتصل بنا   من نحن     

 
 

 
بدون اشارات تعجب: أين وزراء الدفاع العرب؟
حكم البابا

22-07-2006 12:27:03


بعد يومين (24 تموز) تمر ذكرى معركة ميسلون التي خاضها بقايا الجيش السوري في عشرينيات القرن الماضي، بقيادة وزير دفاعه آنذاك يوسف العظمة، ضد الجيش الفرنسي القادم لاحتلال سورية، لاأريد أن أتحدث اليوم -مع أنه بإمكاني ذلك- عن بطولة الجيش السوري أو بقاياه التي خرجت وهي على وعي كامل بأنها ستخسر المعركة، وكان هدفها الوحيد من خوض معركة ميسلون، أن لايقال بأن الفرنسيين دخلوا دمشق بدون قتال، وبالتأكيد ليس هدفي استلهام الماضي لقراءة أحداث الحاضر ، وتقديم وسيلة ايضاح لحلفاء حزب الله وملهميه (بفتح الهاء) ومؤيّديه وغالبية الشارع العربي الذي يبحث في كتب التاريخ وفي أطالس الجغرافيا، عن مبررات وقصص وأمثلة تقوي حجته في معركته غير المتكافئة مع العدو الاسرائيلي، وبالتالي قد يصنع من أية هزيمة -لاأتمناها وإن كنت مرعوباً منها- نصراً على عادة العرب، ويضيف إلى كتب التاريخ أبطالاً وشهداءً أفرداً، تعزيه وتطيب خاطره في هزائمه الجماعية.
ولا أريد أيضاً أن أتحدث -مع أنه بإمكاني ذلك أيضاً- عن انتحارية معركة ميسلون ولاجدواها والتي استشهد فيها يوسف العظمة، ودخل بعدها الجنرال غورو دمشق منتصراً، ولم يبق من يوسف العظمة وميسلونه إلاّ عدة أسطر في كتب التاريخ، وصورة وحيدة عتيقة محايدة ليوسف العظمة، وعيداً متواضعاً يحتفل به سنوياً على مضض، فأقوي حجة من يعترضون على حرب حزب الله مع اسرائيل، ويحملونه مسؤولية الدمار الذي حل بلبنان كله، باعتباره الذي أشعل الحرب وورط الآخرين بها، ولم يشاركهم في قرارها، بل شاركهم في نتائجها، وسيضن عليهم بالمشاركة في انتصاراتها.
ماأريد تذكره من معركة ميسلون التي وصفتها محافظة مدينة دمشق بالانتحارية، في اللوحة التي وضعتها على أحد جدران الساحة التي تحمل اسمها بدمشق، (سبق لي أن خضت من أجلها معركة مع المحافظة على جريدة تشرين السورية بتاريخ 11-9-2003)، ماأريد تذكره هو وزير الحربية السوري يوسف العظمة الذي كان ربما أول وآخر وزير دفاع عربي في تاريخ العرب الحديث، يلم بقايا جيشه ويقوده بنفسه ليخوض معركة مع عدو يهددها ويستشهد من أجلها، وربما لهذا السبب بالذات لم يتجرأ أي وزير دفاع عربي بعد يوسف العظمة على الاجتماع بجيشه إلا في المشاريع العسكرية التي لايستعمل فيها إلاّ الرصاص الخلبي، والاحتفالات الحزبية لنقل تحيات القيادة لها، وصار يفضل صورته في استقبال ووداع زملاءه من وزراء الدفاع العرب والأجانب، بدلاً من استعراض الأسرى الذي غنمهم جيشه من جنود العدو، ووضع أكاليل الزهور على أضرحة الشهداء في أعياد الجيش والشهداء والمناسبات الوطنية التي لاتعد ولاتحصى لدى العرب، على أن يكون شهيداً توضع الأكاليل على ضريحه، وشاشة التلفزيون على خنادق الجبهات، وغرف العمليات المكيفة على حر خطوط القتال، هذا اذا بقيت لدى العرب خطوط قتال!
لا أنكر بأن الحروب تغيرت، وصارت تدار بالريمونت كونترول بدلاً من ساحات المعارك، ولكن وزراء الدفاع العرب تغيروا أيضاً، وإذا كان هناك درس تعلموه من زميلهم (لا أصدق أنه زميلهم فعلاً) البطل يوسف العظمة، فهو أن لايفعلوا فعله، فاهتموا بقرض الشعر في الحسناوات، بدلاً من أن يقودوا جيوشهم، وتأليف موسوعات عن الزهور، بدلاً من أن يموتوا دفاعاً عن أوطانهم، وجمع الأقوال المأثورة لقادتهم وكتابة لها المقدمات، بدلاً من يهيئوا الخطط العسكرية، والآية الوحيدة التي صاروا يؤمنون بها في القرآن الكريم هي "ولاتلقوا بأيديكم إلى التهلكة"، وأصبحت النهاية المفضلة بالنسبة لهم، هي تلك التي كرهها خالد بن الوليد عندما شبه موته على فراشه بموت البعير، ولم يمر وزير دفاع عربي بعد يوسف العظمة إلا وفي تاريخه هزيمة وعارلم يمحوهما بدمه، وقد وصل بهم حس الحرص الشديد على الحياة (الذين تعلموه من مأثرة يوسف العظمة في معركة ميسلون معكوساً) إلى حد توكيل زملائهم من وزراء الإعلام والخارجية بالرد على تصريحات أعدائهم المهددة لأوطانهم.
قبل سنوات كنت أعد برنامجاً للفنان دريد لحام، وكتبت عن أكثر عشر مهن راحة في العالم العربي، ووقتها وجدت أن أول وأكثر المهن راحة هي مهنة وزير الدفاع العربي، واليوم أضيف بأنني أظن أن أغلب إن لم أقل كل وزراء الدفاع العرب، يفضلون الممثل الكوميدي السوري ياسر العظمة، على ابن عائلته وسمي كنيته وزير الحربية البطل يوسف العظمة، فهم أقرب شبهاً إلى الكوميديا منهم إلى الدفاع أو الحرب.
جريدة القدس العربي اللندنية 22/7 / 2006