نقلت وسائل الإعلام أنباء ما دار في اجتماع
اللجنة المركزية للحزب الحاكم في سورية، الذي
عقد يوم الأربعاء 7/2/2007 ، لجهة التحضير
لانتخابات مجلس الشعب في دورته التاسعة التي
قُدر موعد إجراءها بين نهاية شهر آذار وبداية
شهر نيسان 2007 ،حيث يُنتظر أن يصدر الرئيس
السوري مرسوما يحدد فيه موعد إجراء هذه
الانتخابات ،بالإضافة إلى تبني اللجنة
المركزية لتأجيل تنفيذ توصيات مؤتمر الحزب
بخصوص إلغاء المادة 8 من الدستور التي تجعل من
الحزب الحاكم قائدا في المجتمع والدولة وإصدار
قانون أحزاب ومراجعة حالة الطوارئ ...الخ.
أثارت المعلومات التي نقلت عن هذه الاجتماع
ردود فعل سلبية على خلفية خلوها من أية إشارة
إلى تبني اللجنة المركزية لتعديل قانون
الانتخابات، وتساؤلات عن مدى صلاحية قانون وضع
منذ أكثر من 30 سنة ومر على آخر تعديل له
قرابة العقد ( صدر القانون في 14/4/1973بموجب
المرسوم التشريعي رقم/26/ وقد عدل خلال الفترة
من عام 1973 إلى عام 1998).
صدر قانون الانتخابات الحالي منذ أكثر من 3
عقود وقد نٌظر إليه عند صدوره في بدايات
سبعينيات القرن العشرين بايجابية باعتباره
مؤشرا على تطور في النظام وفي الحياة السياسية
السورية، بعد فترة تغييب للبرلمان ( 1963
-1970)أدار فيها النظام البلاد عبر ما سمي
"مجلس قيادة الثورة" ثم عبر قرارات القيادتين
القطرية والقومية ،وخطوة على طريق إقرار حياة
ديمقراطية تفتح الحقل السياسي أمام الخيارات
السياسية والبرامج الاقتصادية والاجتماعية
وتطلق الحريات السياسية بالسماح بقيام أحزاب
ونقابات وصحافة حرة وإجراء انتخابات شفافة
ونزيهة يختار بها الشعب السوري ممثليه إلى
المجلس بحرية وانفتاح.
غير أن بقاء هذا القانون هذه المدة الطويلة،
رغم التطورات والمتغيرات المحلية والدولية ،
بالإضافة للتعديلات السلبية التي أجريت عليه،
حطم آمال المواطنين السوريين في ولوج حياة
ديمقراطية. فالتعديلات التي تمت تعلايات جزئية
لكنها خطيرة أبعدته عن الديمقراطية النسبية
التي انطوى عليها في صيغته الأولى وحولت عملية
الانتخابات بالمناخ القانوني والإجراءات
التنفيذية إلى عملية مسيطر عليها في كل
مراحلها من الترشح إلى فرز الأصوات مرورا
بالتصويت وقربت النظام أكثر فأكثر من
الشمولية. فقد بدأت التعديلات بصدور المرسوم
التشريعي رقم/13/تاريخ30/6/1977الذي ألغى
التحديد الوارد بالنص الأساس (عضو لكل 40ألف
مواطن) حيث حدد عدد أعضاء مجلس الشعب عن كل
محافظة أو دائرة. كما جعل كل محافظة دائرة
انتخابية واحدة ما عدا حلب إذ اعتبر المحافظة
دائرة والمناطق التابعة لها دائرة. ثم صدر
المرسوم /24/ لعام1981و الذي ألغى
المواد/6-11/الخاصة بالجداول الانتخابية والتي
تحدد عدد ناخبي كل دائرة و كل صندوق انتخابي
بحيث ينتخب كل من ورد اسمه بالجدول، كما ألغى
الفقرة/ب/من المادة/17/التي تنص على ضرورة أن
يكون المرشح مقيّداً بالدائرة الانتخابية..
وهذا الإلغاء أعطى الحق لكل مترشح بالترشح في
المكان الذي يريده. كما ألغى المادة/31/التي
تنص على الاكتفاء بيوم انتخابي واحد إذا تحققت
النسبة القانونية. ثم صدر المرسوم التشريعي
رقم/2/ لعام1986 الذي شمل كل العاملين بالدولة
بصفة عامل ففتح باب الالتفاف على نسبة العمال
في المجلس كما حددها النص الأصلي ( 50% للعمال
والفلاحين). ثم صدر المرسوم رقم/5/ تاريخ
15/4/1990الذي قضى بتمديد مهلة تقديم طلب
الترشيح إلى عشرة أيام بدلاً من سبعة أيام ).
ولقد زاد من قتامة الصورة تنفيذ مقولة" الحزب
القائد في المجتمع والدولة" عبر تحديد حصص
ثابتة من مقاعد مجلس الشعب للحزب الحاكم
ولأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية المتحالفة
معه بواقع ثلثي مقاعد المجلس( 167 مقعدا من
أصل 250 مقعدا ،منها 51% للحزب الحاكم أي 135
مقعدا) لا تخضع للمنافسة ولا تتأثر بواقع
عملية التصويت،وتركت بقية مقاعد المجلس الـ 83
لبقية المواطنين ( أي لحوالي 18 مليون مواطن
هذا في ضوء رواية السلطة عن عدد أعضاء الحزب
الحاكم) يتنافسون عليها،ناهيك عن اعتماد
النظام السياسة الأمنية وما أفرزته من سيطرة
على المجتمع ومن تنميط لرد فعل المواطنين
والتحكم بسلوكهم وتطلعهم السياسي، وهذا حول
عملية الانتخابات إلى مهزلة عبثية.
رد المواطنون على مسخ عملية الانتخابات ،بعد
أن خضعت عملية التصويت لآليات التحكم والسيطرة
عبر إلزام المواطنين بالتصويت القسري لقائمة
الجبهة الوطنية التقدمية ( تجري عملية التصويت
وفق إجراءات محددة تلغي حق المواطن في اختيار
مرشحيه حيث تسلم له ورقة طبعت عليها أسماء
مترشحي الجبهة وفق الحصة المحددة وترك فيها
فراغ نسبته 30% هي حصة المستقلين في المجلس
ليقوم هو بكتابة أسماء الأشخاص الذين يختارهم
لإكمال القائمة في كل دائرة ، أي أن المواطنين
يقترعون في حدود نسبة الـ30% ) بالعزوف
والمقاطعة، حيث لم تتجاوز نسبة المقترعين في
دورات عديدة نسبة 5%. وقد فاقم هذه المهزلة
تحول عملية اختيار مترشحي الأحزاب المشاركة في
الجبهة ، نتيجة ما يحصله عضو مجلس الشعب من
مكاسب مادية : راتب وسيارة واذونات سفر، ناهيك
عن فرص كبيرة للسمسرة والتوسط مقابل مبالغ
مالية، إلى لعبة مساومات حزبية ومالية .
كان المأمول ، في ضوء سياسة التطوير والتحديث
التي تبناها الرئيس السوري منذ تسلمه السلطة
قبل 7 سنوات،إحداث نقلة في عملية الانتخابات
في مستوى الترشيح مثل فتح باب الترشيح أمام
المواطنين وتجاوز قانون الحصص الذي لم يعد
يتناسب مع المتغيرات السياسية والاقتصادية
والاجتماعية التي شهدها العالم بدءا بنسبة
الثلثين للحزب الحاكم وأحزاب الجبهة إلى نسبة
الـ 50% للعمال والفلاحين . أو وضع مقاييس
علمية وثقافية وأخلاقية للمترشح . أو مثل
اشتراط قبول ترشيح المترشح في الحزب الحاكم
وأحزاب الجبهة بإجراء انتخابات علنية داخل هذه
الأحزاب بحضور الإعلام والمراقبين، كي لا تبقى
عملية اختيار مترشحي هذه الأحزاب استنسابية
وخاضعة لحسابات قيادات هذه الأحزاب التي وظفت
العملية في ضبط إيقاع حراك القاعدة الحزبية
واستزلام الأعضاء. كما السماح بتشكيل قوائم
متنافسة من قوى حزبية واجتماعية من غير أحزاب
الجبهة.... الخ. كما كان المأمول في مستوى
التصويت التخلي عن إلزام المواطنين بالتصويت
لقائمة الجبهة وفتح المجال أمام عملية اختيار
المصوت لكل القائمة دون قيد أو شرط . أما
المأمول في مستوى فرز الأصوات فالتوقف عن
ممارسة التزوير والقيام بعملية فرز شفافة
ونزيهة.
أن بقاء القانون الحالي بالإضافة إلى آليات
القسر والضغط على المواطنين للتحكم
باختياراتهم يعني أن التطوير والتحديث لا يتم
بطريقة تتسق مع استحقاقات داخلية سياسية
واقتصادية واجتماعية، وان ثمة فجوة واسعة بين
وعود التطوير والتحديث وواقعه على الأرض .
وهذا يشير بوضوح إلى أن عملية التطوير
والتحديث مرتبطة باعتبارات ذاتية / حزبية لا
باعتبارات موضوعية. إذ لا يعقل أن يبقى قانون
انتخابات، بالرغم من المتغيرات التي عرفها
الواقع المحلي والدولي، صالحا كل هذه السنين
أو أن يتجاهل النظام كل هذه المتغيرات التي
حصلت خلال هذه العقود . كما إن التعاطي السلبي
مع المتغيرات والاستحقاقات والمطالب السياسية
والاقتصادية والاجتماعية التي طرحتها القوى
السياسية والاجتماعية السورية يقود إلى الشك
بحقيقة التطوير والتحديث وإلى سيادة حالة
إحباط وطني سياسي / اجتماعي سورية أبعد ما
تكون بحاجة إليه.
يستطيع النظام تدارك الوضع واحتواء سلبيات
قانون الانتخابات ونتائج تجاهله ،الذي طال
أمده، لمطالب القوى السياسية والاجتماعية
بإصدار قانون جديد يستجيب للاستحقاقات
السياسية والاقتصادية والاجتماعية تتم
انتخابات الدورة التاسعة بموجبه.
*كاتب سوري.