في كتاب القراءة للصف الثالث الابتدائي ،
كان عندنا قصة ،خلاصتها أن راعيا وقف يوما ،
فوق تل مشرف على القرية ، ومن ورائه المراعي
الخضراء ، وأخذ ينادي بأعلى صوته ، مستغيثا من
ذئاب تهاجم القطيع ، فترك أهل القرية أشغالهم
وحملوا فؤوسهم ، وركضوا لنجدة الراعي ونجدة
أغنامهم التي في عهدته ، ولما وصلوا ، وجدوه
مستغرقا في الضحك على ما فعله بهم ، وكرر
فعلته غير مرة ، وفي يوم جاءه فعلا قطيع من
الذئاب فجعل يصرخ ويستغيث ، ولكن أحدا من أهل
القرية لم ينجده ، فقد سبق أن سموه الراعي
الكذاب .
بعض الرؤساء لم يقرؤوا هذه القصة ، قلم تصلهم
الموعظة ، منهم رؤساء دول عظمى ، ودول صغرى ،
وبين العظمى والصغرى دول متمعظمة ( إن صح
التصريف) .
الرئيس بوش مثلا ، بعد أن انفضحت بعض أكاذيبه
، لم يعد معظم شعبه يصدقه ، فكان التحول نحو
الحزب الآخر في الانتخابات البرلمانية الأخيرة
، بالإضافة إلى ذلك سارع بعض أركانه ، إلى
تكذيب فريته الفاضحة ، باتهام إيران تقديم
أسلحة للمتمردين في العراق ، ليسقطوا بها
طائراته ، ويقتلوا جنوده ، فلا طائراته تسقط
بنيران وكلاء طهران ، ولا جنوده يقتلون على
أيديهم ، بل العكس هو الصحيح ، إذ يحرم قتال
الأمريكان عند وكلاء طهران ، بينما يحل ذبح
غيرهم .
البعض يتصور أن هذه الأكذوبة خطوة في التهويل
وتبرير الحشود ، لحرب قادمة مع إيران ، والبعض
يقول أن السيد بوش يقدم خدمة لإيران ، بتحسين
صورتها ، في عيون أبناء المنطقة ، انطلاقا من
نظرية عدو عدوك صديقك ، بعدما انكشف مشروع
إيران الخاص .
مهما تكن دوافع الكذب عند السيد بوش ـ و كلها
مدانة ـ فقد يجد البعض عذرا له ، فالتراث
الأمريكي يعظم رعاة البقر (الكاوبوي) ، الذين
يعملون بشكل جماعي ، و أسلحتهم معهم ، ويحقر
راعي الأغنام ، الذي يعمل بشكل منفرد .
الرئيس نجاد مازال يشنف الآذان ، بمناسبة و
غير مناسبة ، أنه سيزيل إسرائيل من الخريطة ،
مدغدغا مشاعر أبناء المنطقة ، الذين يعيشون
قمع واستبداد الأنظمة الديكتاتورية ، التي
وعدتهم بالصمود والتصدي ، قرابة نصف قرن ، فلم
يجدوا منها غير الصمود على كراسيهم ، والتصدي
لكل مواطن حر شريف ، وفي الوقت نفسه يمضي
السيد نجاد في تحقيق المشروع الإيراني ، الذي
ترقص إسرائيل طربا على أنغامه ، في العراق
ولبنان وفلسطين و سوريا .
وأثناء العزف المنفرد الصاخب ، على وتر إزالة
إسرائيل من الوجود ، وبعد المسابقة العالمية
التي أقامها للرسوم الكاريكاتيرية إنكارا
للمحرقة اليهودية المزعومة ، لم تعترض دولنه
في الجمعية العمومية للأمم المتحدة على قرار
تجريم من ينكر الهولوكوست .
قد يجد البعض عذرا للسيد نجاد من كلماته ، فهو
من قال عن نفسه أنه مجرد بوق ناقل لما يقرره
أصحاب القرار ، وقد يقول قائل أن قصة الراعي
الكذاب كتبت باللغة العربية ، وهو يقرأ
الفارسية ، وإن كنت أظن وجود نظائر لقصة
الراعي الكذاب في كتاب كليلة ودمنة .
جلالة الرئيس السوري ، يوم اعتلى العرش ، وعد
الشعب أن يفرش له دروب الحياة ، بورود وأزهار
الحرية والديموقراطية ، ووعد بتبييض السجون من
المعتقلين السياسيين والمفكرين ، ومعتقلي
الرأي ، واستبشر الناس خيرا يوم أعلن عن تحويل
سجن المزة إلى متحف ، ووعد بإصدار قانون جديد
للأحزاب لفتح المجال أمام التعددية الحزبية ،
وإلغاء المادة الدستورية القاضية بأن حزب
البعث هو قائد المجتمع والدولة ، ووعد بأن لا
تكون هناك عملية استفتاء على الرئاسة في
الولاية الثانية ، بل سيكون هناك متنافسون
متعددون على الرئاسة .
وعد ... ووعد ... و وعد !!!!!! ، غير أن أيا
من هذه الوعود لم يتحقق إلا عكسها ، فازداد
القمع ، وتعاظمت الديكتاتورية ، و زاد عدد
المعتقلين السياسيين والمفكرين و معتقلي الرأي
، و ازداد طغيان الأجهزة الأمنية ليتجاوز حدود
الدولة إلى جيرانها ، وازداد التهجير والحرمان
من الحقوق المدنية ، وإمعانا في قهر الشعب
المسكين ، تم تكريس قيادة الحزب للمجتمع
والدولة ، واختزل الحزب بشخص جلالة الرئيس ، و
هاهو الاستحقاق الرئاسي للولاية الثانية على
الأبواب ، ولم تحمل الأرحام بعد ، قانون
الأحزاب ولا التعددية الحزبية ، ولا يوجد هناك
انتخاب ولا مرشحون .
لو كنت أمريكيا ، لربما استطعت أن أصدق بعض
أعذار السيد بوش ، الذي وصل إلى الرئاسة بعد
اعتلاء جلالة الرئيس السوري العرش بستة أشهر ،
واستطاع خلال فترة رئاسية واحدة احتلال دولتين
من وراء البحار.
ولو كنت فارسيا ، لربما تغاضيت عن صوت البوق ،
وفكرت بسؤال نافخ البوق ، وربما تغاضيت أمام
التعاظم في بناء دولة نووية ، لصالح
الإمبراطورية الفارسية .
ولكني مواطن سوري ، وقد بذلت جهدي فلم أجد
عذرا واحدا لجلالة الرئيس المناضل ، فنحن
درسنا في بلد واحد ، والمفروض أننا درسنا نفس
المناهج ، إلا إذا كان نظام الصمود و التصدي
قد غير المناهج ، بعد انتهائي من المرحلة
الابتدائية ، قبل ولادة جلالته ،إمعانا في
تفريغ المواطن منذ طفولته من أي قيمة أخلاقية
إنسانية .
لو قدر لي أن أعيد صياغة قصة الراعي الكذاب ،
لختمتها بالحزن الشديد لأهل القرية على خرافهم
التي نهشتها الذئاب ، وبالندم الأشد لأنهم لم
يغيروا راعي أغنامهم يوم عرفوه كذابا .
بلال داود ــ كاتب سوري