التيار السوري الديمقراطي                            

                                               

 

29/05/2006                                                                               الصفحة الرئيسية   اتصل بنا   من نحن     

 

بيننا وبين سوريا ..
سليم الحص


خرجت القوات العربية السورية من لبنان في العام 2005 على وجه ما كنّا نتمنّاه. يا حبذا لو خرجت قبل ذلك بالتفاهم بين الدولتين الشقيقتين وفق ما قضى به اتفاق الطائف. فقد نصّ ذلك الاتفاق على إعادة انتشار تلك القوات إلى منطقة البقاع، على خط ضهر البيدر، ونقاط أخرى قد يتّفق عليها، وذلك خلال سنتين من وضع الاتفاق موضع التنفيذ، أي إن ذلك كان يجب أن يتمّ عام .1992 وكان يجب أن يكون ذلك مقدمة للانسحاب الكامل في ما بعد.
ما كان بإمكان الحكومة اللبنانية أن تطالب بإنجاز هذه الخطوة عملياً في زمن الاحتلال الإسرائيلي لمساحات واسعة من لبنان شملت في وقت من الأوقات العاصمة بيروت. ولم يجلُ الاحتلال عن الأرض اللبنانية إلا في العام 2000 بفعل المقاومة. فما كان بالإمكان عملياً مطالبة السوري بالخروج فيما العدو جاثم على أرض لبنان. وكان الجيش السوري في لبنان يدعم المقاومة اللبنانية.
أما بعد التحرير فكان يجب أن تبادر سوريا إلى سحب قواتها إلى البقاع والاتفاق مع الحكومة اللبنانية على موعد انسحابها الكامل. وكان يجب على الحكومات المتعاقبة منذ ذلك الحين أن تبادر إلى مطالبة سوريا بهذه الخطوة. فما كان هذا ولا كان ذاك. وتتحمل مسؤولية هذا التقصير السلطتان اللبنانية والسورية على السواء.
والقوات العربية السورية كانت قد دخلت لبنان عام 1975 بناءً على طلب من الرئيس اللبناني سليمان فرنجية، ثم انضوت تحت لواء قوات الردع العربية التي أُنشئت بقرار من قمة القاهرة العربية عام 1976 بناءً على طلب من الرئيس اللبناني المنتخب الياس سركيس.
هكذا لا صحة للكلام الرائج بأن لبنان وقع تحت الاحتلال السوري على امتداد 29 سنة. فحتى العام 1992 كان الوجود السوري بقرار من السلطة اللبنانية ثم بموجب اتفاق الطائف. وما بين عام 1992 ويوم التحرير في عام 2000 كان الوجود السوري مسلماً به بفعل الاحتلال الإسرائيلي. ومنذ العام 2000 كان استمرار الوجود السوري نتاجاً لتقصير مشترك من الجانبين اللبناني والسوري على حد سواء.
هذا الواقع لا ينفي ولا يبرر ما تخلل حقبة الوجود السوري من تجاوزات مفرطة وتدخلات فاجرة من جانب أجهزة الاستخبارات السورية واللبنانية، بلغت حدود محاولة فرض الهيمنة على السلطة وسياساتها. لا ريب في أن الجانب السوري كان مسؤولاً عن هذا الواقع الرديء، ولكن المسؤول اللبناني كان شريكاً
مباشراً له في تحمّل تبعاته لمجرّد أنه رضخ لضغوط أجهزة الاستخبارات أو تواطأ معها.
ولعل سبب تفلّت الأجهزة الأمنية وتجاوزها حدود سلطاتها كان في عدم تفعيل آليات التواصل بين الدولتين، وبخاصة تلك التي نصّت عليها معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق الموقّعة عام ,1991 وتحديداً المجلس الأعلى وهيئة التنسيق العليا. هاتان المرجعيتان قلَّما كانتا تلتئمان. وبعدم وجود تبادل دبلوماسي، وقع فراغ في العلاقة ملأته على وجه مشؤوم أجهزة الأمن والاستخبارات في البلدين. لو كان المجلس الأعلى يجتمع بانتظام مرة كل ستة أشهر، ولو كانت هيئة التنسيق تجتمع مرة كل شهرين، مثلا، لما وقع ما وقع من الخلل الرهيب في العلاقة.
هكذا لا يجوز تحميل الجهات السورية وحدها المسؤولية عن تدهور العلاقة، فالسلطة اللبنانية على شتى مستوياتها شريك مباشر في هذه المسؤولية، إذ هي تجاوبت وتواطأت مع الأجهزة. هذه المسؤولية تتحمّلها في نهاية التحليل الطبقة الحاكمة، ومن ورائها الطبقة السياسية برمّتها. ومن يتشدّق اليوم من هؤلاء بلوم السوريين كان آنذاك متواطئاً معهم وشريكاً لهم، أو كان أخرس لا يتجرأ على الإدلاء بكلمة اعتراض، وبعضهم اليوم يصطنع البطولات من رضوخه للضغط السوري عند التمديد لرئيس الجمهورية عام .2004 يا للسخرية.
يصورون اليوم زوراً أن مقاومة تلك الضغوط والتدخّلات كانت أمراً متعذّرا، فكيف بالجهر برفضها. ما كان هذا صحيحاً إلا بمنطق الجبن أو التواطؤ. في العام ,2001 وبعد خروجي من الحكم للمرة الأخيرة، وكان الوجود السوري داخل لبنان في أوجه، أصدرت كتاباً بعنوان <للحقيقة والتاريخ>، كان الفصل الرابع فيه بعنوان <بين سوريا وبيني>، قدمتُ له بالحديث عن التزامي عروبة لبنان التي حسمها اتفاق الطائف، مؤكداً أن لبنان لا يستطيع أن يمارس عروبته عملياً بالقفز فوق دمشق إلى بغداد أو القاهرة أو الرياض أو خلافها من العواصم العربية. لذا إيماني بحتمية المحافظة على علاقة قومية مميّزة بين البلدين الشقيقين، تمليها أيضاً المصالح والأواصر الاستراتيجية المشتركة. ثم تحدّثت عن محاولات سورية للتدخّل معي صددتها ورفضتها. مع ذلك لم أسمع من أحد من المسؤولين السوريين في يوم من الأيام تهديداً أو إهانة من قريب أو بعيد.
في ما يلي قبس مما كتبت في حينه:
ترأست منذ العام 1976 خمس حكومات، شكّلتُ أربعاً منها وتولّيت رئاسة حكومة كانت قائمة عند استشهاد الرئيس رشيد كرامي في عام .1987 ولم أتشاور مع المسؤولين السوريين مرة واحدة في قبول التكليف أو في التأليف، بل كنت أتشاور بحسب الدستور مع رئيس الجمهورية. ولم يكن بيني وبين السوريين أي اتصال عند رفضي قرار الرئيس أمين الجميل في آخر لحظة من عهده بإعلان حكومة عسكرية انتقالية برئاسة العماد ميشال عون، فتمسّكت بالنص الدستوري الذي يقضي، في حال شغور سدّة الرئاسة لأي سبب كان، بأن تحل الحكومة القائمة محل الرئيس في مسؤولياته ومهامه. وقد تشاورت في هذا الأمر مع رئيس مجلس النواب آنذاك السيد حسين الحسيني.
خلال حقبة الانقسام هذه كان عليّ أن أواجه تحدّيات وقضايا يومية، فقررت ألاّ أسمح بالمساس بهيكلية أي من مؤسسات الدولة في ظل الانقسام السائد.
طُلب مني، من داخل حكومتي، تعيين قائد بالوكالة للجيش في جانبنا لجمع شتات العسكريين. فعينّا اللواء سامي الخطيب. ثم طلب إليّ أن نمحضه مرتبة العماد فرفضت حرصاً على وحدة المؤسسة العسكرية. وطلب إليّ فتح باب التطوع في الجيش بهدف إدخال الميليشيات فيه فرفضت، وقد تعزز هذا الطلب باتصال من الاستخبارات السورية. فكان أن انبرى أحد الوزراء إلى تهديدي في حياتي بقحة ما بعدها قحة إن لم أرضخ لهذا الطلب. فلم أستجب. ثم طلب إليّ أن أشتري سلاحاً من الجيش السوري فرفضت. وجاءني يوماً قائد الجيش برسالة موجّهة إلى العماد مصطفى طلاس، وزير الدفاع السوري، بطلب شراء أسلحة. فرددته، رافضاً توقيعه. وفي زيارة قمت بها إلى دمشق بعد ذلك، توقفت عند الأستاذ عبد الحليم خدّام في انتظار لقائي مع الرئيس حافظ الأسد. ففاتحني في الموضوع مشدداً على استعداد سوريا لإجراء صفقة، فرفضت. وعند حلول موعدي مع الرئيس حافظ الأسد، وردت مكالمة منه أجاب عليها الأستاذ عبد الحليم خدام من غرفة مجاورة، ولدى عودته توجّه إليّ بالقول: حان موعدك مع الرئيس. أما موضوع السلاح الذي كنّا نتحدّث فيه فَلَكَ أن تتجاوزه وتتناساه.
وفي عهد أول حكومة ترأستها في مستهل ولاية الرئيس الهراوي، قمت بزيارة للرئيس حافظ الأسد فطلب إليّ تعيين أحدهم مديراً عاماً لقوى الأمن الداخلي. فاعتذرت قائلاً: مع محبتي واحترامي لشخص المرشّح فإن تعيينه في هذا المنصب غير مناسب.
وفي إحدى جلسات تلك الحكومة أخذ مجلس الوزراء قراراً بإنهاء حركة العماد عون عسكرياً بمشاركة الجيش السوري. فسجّلت تحفظي على القرار داعياً إلى البحث عن وسيلة سلمية لإنهاء تلك الحالة تحاشياً لما قد يترتب على العملية العسكرية من خسائر وأضرار.
وفي انتخابات العام 1996 جاءني الرئيس رفيق الحريري، وكان رئيساً للوزراء، ليطرح عليّ التحالف معه في المعركة الانتخابية. فاعتذرت بحجة أن ائتلافنا في الانتخابات سوف يحجب عني إمكانية سلوكي طريق المعارضة البنّاءة ما دام هو في الحكم، بعد أيام قليلة دعاني الأستاذ عبد الحليم خدام إلى الغداء في دارته في مصيف بلودان. وقد شارك في اللقاء اللواء غازي كنعان واللواء ابراهيم صافي. فكان إصرار منهم جميعاً على ضرورة تحالفي في الانتخابات مع الرئيس الحريري، فرفضت، شارحاً السبب. وقد فزنا كلانا في الانتخابات ولو أن الرئيس الحريري نال نصيباً أكبر من الأصوات.
وفي الحكومة الأولى في عهد الرئيس العماد إميل لحود، تقدّمت من مجلس الوزراء بمشروع قانون للانتخابات النيابية، فلم يلقَ هوىً عند أصحاب القرار. فجاء وزير الداخلية الأستاذ ميشال المر بمشروع بديل، قيل إن مصدره كان اللواء غازي كنعان. فدار نقاش طويل حوله داخل مجلس الوزراء، شاركت فيه معترضاً على الدوائر الانتخابية وعلى تقسيم بيروت في شكل خاص. ولكن مجلس الوزراء عاد فوافق على المشروع فسجّلتُ اعتراضي عليه، ومعي الوزير عصام نعمان. وأعلنتُ تحفّظي على الملأ.
وجاءني قبيل موعد الانتخابات المسؤول عن الاستخبارات السورية في بيروت طالباً إليّ ضم أحد المرشّحين إلى لائحتي فاعتذرت. ثم أرسل المرشح لمقابلتي في السراي الحكومي من أجل إقناعي بتبنيه، فاستمعت إليه ثم اعتذرت عن ضمه إلى قائمتي. فانضم إلى القائمة المنافسة، وكان أن نجح هو وفشلت أنا في المعركة. ولم يكن خافياً أن أجهزة الاستخبارات السورية واللبنانية نشطت ضدي في المعركة الانتخابية.
وعند التمديد لولاية الرئيس إميل لحود، الذي ترافق على ما يقال مع ضغوط وتهديدات سورية، اتخذت موقفاً معارضاً للتمديد وجهرت به في تصريحات متكررة خلال فترة الإعداد للتعديل الدستوري، علماً بأنني كنت آنذاك خارج الحكم وخارج مجلس النواب.
هذا غيض من فيض ما واجهت. ولم أرضخ يوماً لطلب أو تدخّل لم أكن مقتنعاً به. مع ذلك، خلافاً لما يروّج ذوو المآرب، لم أتعرّض يوماً لتهديد أو وعيد أو إهانة.
توخّيت من هذا العرض إظهار حقيقة أن مسؤولية تدهور العلاقة بين لبنان وسوريا إنما تقع على عاتق الجانبين على حد سواء، وأن المتحاملين على سوريا هذه الأيام كان كثيرون منهم من المُمالِئين للأجهزة السورية لا بل من المتواطئين معها. والمهم اليوم هو المسارعة إلى رأب الصدع وتصحيح العلاقة بين الدولتين الشقيقتين لا بل والارتقاء بها إلى مستوى التميّز على قاعدة الاحترام المتبادل خدمةً للمصالح الاستراتيجية المشتركة. وشرط التوصّل إلى هذا المبتغى: ضبط الألسن وتنقية النوايا في الجانب اللبناني، والكفّ عن سياسة قمع الرأي المنادي بإصلاح ذات البين في الجانب السوري.

السفير