التيار السوري الديمقراطي           

                                               

 

29/07/2006                                                                               الصفحة الرئيسية   اتصل بنا   من نحن     

 
 

 
من يقتل الفلسطينيين في العراق؟
محمد الحسناوي

29-07-2006 09:07:29


صدرت عن الاخوة الفلسطينيين في العراق منذ احتلاله نداءات استغاثة عدة، جاء في أحدها: (ان اللسان ليعجز عن وصف حالتنا، فنحن الآن متهمون بفلسطينيتنا، محاصرون في تجمعاتنا، لا نستطيع أن نتكلم بلهجتنا الفلسطينية في أي مكان عام، لأن هذا سيؤدي الي الاعتقال، أو ربما التصفية الجسدية مباشرة ... اننا نمرّ بأقسي ظروف مرّ بها الفلسطينيون في العراق، فرغم طول فترة اقامتنا وولادة معظمنا في العراق، التي قاربت الستين عاماً، عشنا خلالها، وارتبطنا بالعراق، وتعايشنا مع شعبه، وتصاهرنا معهم، حزنا لأحزانهم، وفرحنا لفرحهم) (أبناء فلسطين في العراق 5/4/2006 موقع العودة).
في العراق، كما في الأقطار العربية، جاليات عربية، بسبب العمل أو الجوار أو الهجرات، لا سيما المضطهدين سياسياً، كالجالية الفلسطينية والجالية السورية في العراق، وأبناء الأحواز العرب ...
جاء الفلسطينيون الي العراق عام 1948م مع الجيش العراقي الذي أبلي بلاء حسناً مشهوداً في حرب فلسطين الأولي، وخلف عدداً من الشهداء ما زالت قبورهم محفوظة بالتجلة والاحترام هناك، وكان عدد المهاجرين 3000 شخص، أما الآن فيبلغ عددهم 23000 شخص وفق آخر احصائية للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين عام 2003م، منتشرين في ثلاثة مدن (بغداد ـ الموصل ـ البصرة).
مع سقوط النظام العراقي أو اسقاطه علي أيدي الادارة الأمريكية (أو دول التحالف) وبمشاركة المعارضة الشيعية وتواطؤ القطر المجاور ايران، نبتت نابتة جديدة في العراق، لم تعهد من قبل، وهي موجة العداء للعرب، كل العرب، عرب العراق، وغير العراق، ولا سيما الفلسطينيين والسوريين، تذكرنا الي حد ما بموجة الكراهية في الكويت ضد الفلسطينيين بعد اخراج القوات العراقية منها، لكن تلك الموجة انتهت وموجة الكراهية في العراق لم تنته بعد، ولا أمل في انتهائها علي المدي القريب، لأن هناك عوامل متعددة تغذيها، وتسهر عليها، بدءاً من الموساد الاسرائيلي، ومروراً بالانقسام الطائفي في العراق، وانتهاء بالمطامع الايرانية في المنطقة العربية، لا سيما دول الخليج والعراق (حيث منابع النفط والثروات).
جاء في النداء المذكور: (لقد أحصينا الاعتداءات التي طالت الفلسطينيين في أماكن تجمعهم ووجودهم، فوجدنا أنها أكثر من (150) اعتداء، لا لشيء الا لأننا فلسطينيون، فقد قتل منا أكثر من (65) شخصاً، واعتقل الكثير، وبقي منهم في السجون لحد الآن ما يقارب الخمسين الطلبة جلسوا في بيوتهم، وبعض الموظفين لم يباشروا وظائفهم، حتي باعة الخضار لا يستطيعون أن يذهبوا الي الأسواق ..حصلت تعبئة كبيرة ضد الوجود الفلسطيني، ولا يوجد أي استنكار رسمي أو فتوي من المرجعيات، بل حدثت حالات قتل خنقاً، البطالة جاوزت 80%، وعدد العوائل الذين يسكنون في مجمع البلديات 1700 عائلة تسكن في 768 شقة من الزحام، وهناك عوائل بلا سكن، (لأن بيوتهم انتزعت منهم). وليس الخبر كالمعاينة هذا الكلام في عام 2004م، أما الآن وبعد اشتداد حملات العنف علي الهوية واجتياح المساجد والأحياء وتهجير سكانها، فالأمر تضاعف، لذلك أدي هذا الوضع (الي الخروج الي الحدود والسكن في العراء خوفاً من المجهول الذي ينتظرهم، ومنهم العوائل التي خرجت الي الحدود السورية قبل أربعة أشهر، والعوائل التي تخيم الآن في طريبيل علي الحدود الأردنية).
أما معاناة الاخوة الفلسطينيين علي الحدود العراقية في العراء فحدث ولا حرج عن التعرض للحر والقر وغياب الماء والكهرباء والغذاء والصرف الصحي فضلا عن المدارس والمستشفيات.
بدلا من أن تكون معاناتهم علي الحدود العربية مدعاة لانقاذهم تحولت الي ورقة سياسية، يلعب بها، كما يلعب بمصائر الأوطان والشعوب، كأنها مزارع وممتلكات للاعبين وحدهم، فبمناسبة زيارة وزير الخارجية الفلسطيني محمود الزهار الي دمشق في20/4/2006 كافأه النظام السوري بالسماح لـ305 فلسطينيين أن يدخلوا سورية ليعاملوا معاملة الفلسطيني السوري، علي حين قال مصدر رسمي في الخارجية السورية: (ان دمشق سمحت لفلسطينيي العراق الذين كانوا علي الحدود العراقية منذ 19 آذار (مارس) بدخول الأراضي السورية .. وبموجب اتفاق، وأن القرار لا يشمل أي فلسطيني آخر). وأضاف المصدر: ان القرار السابق لا ينطبق علي أي فلسطيني جديد. من ناحيته، أكد عبد الحميد الوالي، ممثل المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أنه يوجد حالياً علي الحدود السورية ـ العراقية (120) فلسطينياً، من ضمنهم أربع نساء حوامل، وعدد كبير من النساء، يريدون الدخول الي سورية. وتوقع أن يزداد العدد الي أن يتبين للجميع أن سورية أوقفت السماح بدخول أي عدد اضافي آخر (شام برس 17/5/2006 م). أليس اللاجئون الفلسطينيون عرباً، أليسوا أبناء القضية الفلسطينية القضية المركزية للعرب وللدول الثورية بالذات، أليس من حقهم أن يسكنوا في أي بقعة من الوطن العربي، وأن ينعموا بالأمن والسلام ككل البشر أو العرب ؟
انها لمفارقة كبيرة أن نرفع الشعارات لنصرة القضية الفلسطينية، ثم نذبح الفلسطينيين بأيدينا من الخليج الي المحيط.
نعود الي اضطهاد الفلسطينيين في العراق الشقيق، ولا يخفف منه أن عرب العراق أنفسهم (أي السنة) يتعرضون للاضطهاد، بل الأمر يدفعنا الي كشف النقاب عن مخطط شعوبي يلبس لباساً شيعياً يهدف الي تغيير الخرائط وديموغرافية المنطقة لصالح قوي خارج المنطقة، يلتقي فيها الموساد الاسرائيلي مع المطامع الايرانية لتفتيت المنطقة واقتسام غنائمها في ظل ما يسمي المجتمع الدولي والادارة الأمريكية بالذات.
ان الذي حملنا علي تسليط الضوء علي معاناة الفلسطينيين في العراق، وهو حق لهم وواجب علينا، ما استجد من دخول ايران الي القضية الفلسطينية عن طريق ذراعها (حزب الله) في لبنان، واختطاف جنديين اسرائيليين، لنتساءل: هل كان خطف الجنديين لدعم أهلنا في الأرض المحتلة والتخفيف عن اجتياح غزة والافراج عن الأسري الفلسطينيين وتغيير معادلات المواجهة بين العرب والكيان الصهيوني، أم لفك (الزنقة) التي تعاني منها ايران بسبب الملف النووي، والأخري التي يعاني منها النظام السوري بسبب ارتكاباته في لبنان الشقيق وداخل سورية بالذات، أم للأمرين معاً، وأي العاملين هو الأهم في المعادلة يا تري؟
ان موجة العداء المنظمة للعرب وللفلسطينيين بالذات علي أرض الرافدين من جهات مشخصة معلومة، ثم حرمانهم من الانتقال الي قطر عربي، الذي هو حق من حقوق العرب الطبيعية، لهو معيار كاشف للنوايا والمخططات لا يمكن اغفاله أو السكوت عليه، بل يوضحه أكثر تلك الأصوات التي تدعو الي الاعتراف بالقومية الفارسية في العراق، أو الأصوات الداعية الي فصل العراق الجنوبي أو الأخذ بنظام الفيدرالية الممهدة للانفصال فالسلخ.
ان الاخوة الفلسطينيين في الأرض المحتلة وفي أرض الشتات يعلمون كل هذه المفارقات ويعانون من غصصها، ويتجاوزون أو يسكتون لأنهم محتاجون الي العون من أي كان، ولو كان هذا العون ممزوجاً بخليط غير مستساغ لتمرير الواقع الراهن والانتقال الي وضع أقل سوءاً.
ان العجز العربي لا يسوغ الدعوات الانفصالية أو الشعوبية في العراق، كما أن أخطاء الأنظمة لا تسوغ اضطهاد الفلسطينيين في العراق ولا العرب كافة (ولا تزر وازرة وزر أخري) هذه شريعة السماء وشرائع الأرض وحقوق الانسان المجمع عليها قديماً وحديثاً.
ان مصاب الفلسطينيين ليس حادثاً جنائياً ولا فردياً ولا عرضياً، انه ابن سياسة منظمة تمارسها جماعات وميليشيات معلومة تابعة لمرجعيات معروفة منظمة تنتهي خيوطها الي النظام الايراني الذي بدأ علي شكل (ثورة اسلامية) ثم تحول الي ملك عضوض وشوفينية فارسية تلبس لباساً طائفياً بدءاً من الدستور في المادة السابعة الذي ينص علي (أن المذهب الجعفري هو دين الدولة والي الأبد)، وما حزب الله الا امتداد لهذه الجهات وأحد تعبيراتها السياسية والفكرية، هو نفسه لا ينكرها.
لتكن مناسبة دخول ايران علي الخط الفلسطيني فرصة للفهم والوعي من جهة، ولمطالبتها ومطالبة من يحلب بانائها من أبناء جلدتنا.. الدخول الي القضايا من أبوابها من جهة ثانية، بمعني الكف عن المخطط الشعوبي، بدءاً بوقف المخطط الاستئصالي للعرب في العراق من عرب عراقيين أو فلسطينيين ووقف تشييع الأحواز (عربستان) والمجتمع السوري واحتلال الجزر في الخليج (الاسلامي) (جزيرة موسي وطنب الكبري وطنب الصغري)، وأخيراً ليس آخراً التنسيق أو الانسجام مع المشروع العربي للقضية الفلسطينية أي مع المنظمات الفلسطينية التحريرية كمنظمة (حماس). وبالمناسبة سئل السيد محمد نزال وهو في القاهرة: (هل هناك تنسيق أو اتفاق مسبق بين خطف الجندي الاسرائيلي شمال غزة وبين خطف الجنديين الاسرائيليين جنوب لبنان؟ فنفي وجود أي اتفاق أو تنسيق). (قناة الجزيرة 12/7/2006)، ذلك لأن القضية الفلسطينية تستحق اجماع العالمين العربي والاسلامي مقابل ما يسمي الاجماع الدولي، ولأن القضية من العمق والخطورة تحتاج الي مشروع متكامل لا ينفرد به طرف مهما كان مخلصاً حتي ينجح.
حقيقة المأساة أنه لا يوجد مخطط أو مشروع عربي للقضية الفلسطينية - كما صرح الأستاذ عاكف المرشد العام للاخوان المسلمين ـ مما أتاح المجال لمخططات الأعداء والآخرين أن تملأ الفراغ السياسي في المنطقة العربية. فالأنظمة العربية متناحرة مع شعوبها ومنقسمة فيما بينها، وهي التي تملك الجيوش والأموال والقرارات، والشعب الفلسطيني يواجه الآلة العسكرية الاسرائيلية وحده علي مدار الساعة، ويقتل أبناؤه في بلاد الرافدين لأنهم فلسطينيون، أما الحرمات العربية الأخري فتخترق من الخليج الي المحيط ولا من مستنكر أو محام عنها، مثل ما يحدث في فلسطين المحتلة وفي جزر الخليج ودارفور وعربستان والنفوذ الايراني الذي يروج للتشيع فالتبعية فالانقسامات الطائفية.
الأحزاب العربية والمجتمع المدني العربي (من المثقفين والمنظمات المهنية والعمال والفلاحين وطلاب الجامعات والمؤسسات العربية الحقوقية والاقليمية ...) كان يؤمل منها أن تملأ هذا الفراغ، أو أن تعبئ الجماهير العربية في هذا الخط، لكن أنظمة القمع والاستبداد أنهكت هذا المجتمع المدني، الذي ظهر دوره في مناسبات سابقة كأيام العدوان الثلاثي علي قناة السويس أو أيام تحرير الجزائر وأمثالها، ومن هنا تفلح التظاهرة الايرانية في منطقتنا حين تستغل انهزامية حكوماتنا العربية، وتطرح مبادرات تملأ الفراغ علي طريقتها الخاصة، ومن هنا نفهم خطورة الحملات الأمنية التعسفية التي تقترفها أنظمة الطوق العربي المحيطة بالكيان الصهيوني بالمجتمع المدني بدءاً بالمثقفين ومروراً بالأحزاب المعارضة وانتهاء بالحركات الطلابية والشعبية مثل قمع (ربيع دمشق والحراك السياسي المعارض) في سورية و(تجمع القضاة وحركة كفاية وجماعات المعارضة المصرية وعلي رأسها الاخوان المسلمون) في مصر، وقد سبق للاخوان المسلمين في دول الطوق أن أبلوا بلاء حسناً بدخولهم الأرض الفلسطينية عام 1948م، وسدهم فراغ الأنظمة العربية.
هل الوضع العربي اليوم أشد بؤساً من الماضي القريب، أم أن ذلك مؤشر علي احتمال حدوث انفجارات مزلزلة في المنطقة؟ ويسألونك لماذا التطرف؟ ومن أين يأتينا التطرف؟

ہ كاتب سوري عضو رابطة أدباء الشام



القدس العربي