التيار السوري الديمقراطي                            

                                               

 

05/06/2006                                                                               الصفحة الرئيسية   اتصل بنا   من نحن     

 
 

نقاط مهمة من حياتي

الدكتور المهندس محمد غسَّان طيارة

من الطبيعي أن تمر بالإنسان حوادث تؤثر في مجرى حياته ومصيره وتحدد مستقبله، وقبل استعراض هذه الحوادث أود أن أروي نادرة سمعتها قديماً من المرحومة والدتي، حيث قالت بأن امرأة جميلة متزوجة ولديها طفلٌ في بداية حياته وزوجها يحبها كثيراً حلمت بأن طفلها وزوجها وأخوها يتعرضون للغرق في البحر الغدار وناداها هاتف بأن من حقها إنقاذ فقط واحدٍ منهم، فأجابت الهاتف المنادي:بأن الطفل مولود ( أي يمكنها أن تلد طفلاً آخر) والزوج موجود (أي يمكنها أن تتزوج ثانية) والأخ مفقود (أي إذا ضاع لن تستطيع تعويضه)، وهكذا أنقذ الهاتف المنادي أخاها فقط0

قد يستغرب كل من يسمع هذه النادرة هذا التصنيف والتفضيل الغريب، ولكن عند دخولنا للأعماق نجد قوة وذكاء المرأة الشابة وتعلقها بأصلها وبأهلها وخوفها عليهما، ويذكرني ذلك تعلق الإنسان بوطنه فقد أطلقت القوانين الوضعية والسماوية على من يبيع وطنه بأنه خائن وعقوبة الخيانة هي الموت، وقد تجد القوانين الوضعية المبررات لمعظم الجرائم إلا خيانة الوطن، ومن تثْبت خيانته لا مفر من معاقبته0

أرجو المعذرة من القراء الكرام لهذه المقدمة، كما أتمنى أن يتحلوا بالصبر عند قراءة المقال حتى نهايته، وأبدأ بذكر بعض الأحداث التي مررت بها وأتغذى من روحها مدى حياتي الفانية:

1ـ لقد انتخبت جمال عبد الناصر وأيدت الوحدة بين سورية ومصر ثمان مرات وفي معظم صناديق الاستفتاء في مدينتي حتى أقول للناس أن كل سورية مع عبد الناصر ومع الوحدة0

2ـ تنادينا مجموعة من الطلاب الذين يدرسون في الجامعات والمعاهد  السوفيتية وشكلنا شعبة لحزب البعث العربي الاشتراكي بعد الانفصال مباشرة وأرسلنا إلى دمشق موفداً من قبلنا إلى قيادة الحزب التي كانت في ضياع لتعترف بتنظيمنا ولكن ذهبت جهودنا سدى وتابعنا نشاطاتنا وعقدنا مؤتمر الشعب في منتصف سنة 1964 وأرسلنا وثائق المؤتمر إلى القيادة القومية في دمشق مع من تخرج منا في صيف 1964، وبقينا نراجع حتى منتصف صيف 1965، وعندما وضعنا أنفسنا تحت تصرف القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي فُجِئنا بأن تفكير من استقبلنا من أعضاء القيادة ذهب بعيداً فقد اعتقد بأننا نعرض عليه أنفسنا لنتسلم مراكز في قيادة القطاع العام الذي لم يمضِ على التأميم سوى بضعة أشهر، بينما كان طلبنا، وجميعنا من المهندسين، أن نشارك في بناء سد الفرات، وكانت صدمة أولى ومع ذلك لم تُؤَثر على استمرار نضالنا ضمن الحزب0

3ـ فصلت من الحزب في أيلول من عام 1968 وكنت عضواً في قيادة فرقة حزبية بسبب تجني أمين الفرع في حينه، فعندما سألته بعد هزيمة حزيران عن ضرورة تسمية الأسماء بمسمياتها فهي هزيمة وليست نكسة شكل عدة لجان تحقيق معي وكلها كانت مناصرة لي حتى حدثت ملاسنات كلامية بالهاتف معه فقرر فصلي وقد أعيد تنظيمي في الحزب من أحد أعضاء القيادة القطرية الذي شارك في فصلي عندما كان عضواً في قيادة فرع دمشق للحزب

4ـ انتُخبْت عضواً في المؤتمر العام لنقابة المهندسين عن فرع دمشق في أواخر عام 1979 وعُقِد المؤتمر العام تحت رعاية رئيس مجلس الوزراء في مطلع عام 1980، وصدر عن المؤتمر بياناً لاذعاً ضد الحزب

والنظام في سورية بأكثرية أعضاء المؤتمر0

استدعانا عضو القيادة القطرية الرفيق محمود الأيوبي لتأنيبنا وكان عددنا 17 عضوا، (في فترة انعقاد المؤتمر لنقابة المهندسين كان مؤتمر الحزب على أبواب انتخاب قيادة قطرية جديدة)، وقد واجهته بحقيقة أن القيادة القطرية هي التي يجب أن تُحاسب لأننا طالبنا أن يدعو أحد أعضاء القيادة القطرية بعض أعضاء المؤتمر العام بهدف الاستماع إليهم ومناقشتهم في مخاوفهم المشروعة بسبب الحوادث الدموية التي كانت تجْري في حلب وحماه وغيرها من المدن السورية، وكل من عايش تلك الفترة يعرف الرعب الذي زرعته عصابات القتل بين الناس، وكل ما كان مطلوباً منكم تركْ المؤتمر لفترة وجيزة للاجتماع مع المهندسين، ولكن يبدو أن موقع عضو القيادة أهم من نتائج المؤتمر العام لنقابة المهندسين0

تبدلت لهجته وأثنى على جهود الرفاق وإن لم ينجحوا في تغير بعض عبارات بيان المؤتمر العام لنقابة المهندسين0

5ـ في نيسان عام 1981 عُقِدت الهيئة العام لنقابة المهندسين في فرع دمشق، وقد حشدنا أعداد كبيرة من الرفاق البعثيين ومن أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وفي بداية إقرار جدول الأعمال طلبنا إضافة بند لجدول الأعمال يتعلق بشجب بيان المؤتمر العام لنقابة المهندسين لأنه خرج عن مضمون قانون تنظيم مهنة الهندسة رقم 17 لعام 1973 وجرت نقاشات حادة مطولة بين مؤيد ومعارض وقد استمر النقاش أسبوعين كاملين، وقد شكلت القيادة القطرية لجنة من خمسة أعضاء من القيادة القطرية تجتمع يومياً مع لجنة مشكلة من أربعة رفاق بعثيين أعضاء في الهيئة العام لنقابة المهندسين فرع دمشق0

وقد اجتمعنا معاً مساء كل يوم بعد انتهاء اجتماع الهيئة العام لفرع النقابة في منزل الرفيق محمود الأيوبي وقد رغب بعض أعضاء القيادة القطرية اتخاذ قرار بحل نقابة المهندسين بعد عدة أيام من استمرار أعمال الهيئة العامة بينما كان رأيي الاستمرار في الحوار فقد كنا بأمس الحاجة للتدريب على الدفاع عن ثورتنا ونظامنا لأننا نسينا ماضينا في نضالنا السلبي وفي أكثر من مرة تحدث الرفيق محمود الأيوبي مع السيد رئيس الجمهورية المرحوم حافظ الأسد لينقل إليه مجريات الأمور وخاصة رغبتنا في متابعة الحوار0

بعد ذلك تم حل نقابة المهندسين وقد تم حل نقابتي المحامين والأطباء قبلها بقليل0

6ـ في مطلع حزيران من سنة 1980 تم تسميتي نقيباً للمهندسين السوريين، ومنذ ذلك التاريخ تركتنا القيادة من دون تقديم الدعم اللازم لنا حتى نتمكن من تخفيف بعض الحزن الذي أصاب أهالي بعض المهندسين الموقفين، مع تأكيدي بأنني كنت قد اجتمعت مع معْظم القيادة النقابية الذين اعتقلوا خلال اجتماع المؤتمر العام لنقابة المهندسين وحاولت محاورتهم بهدف الاتفاق على نقاط اللقاء والابتعاد عن نقاط الخلاف من دون جدوى وزرت بعضهم في السجن وقد تغيرت طروحاتهم، وعندما تشرفت بمقابلة السيد الرئيس حافظ الأسد رحمه الله رجوته التوجيه لفروع الأمن لإعطائي معلومات كافية عن المهندسين الموقوفين وعن أسباب التوقيف، وقد وجه بذلك، ولكن لم أتمكن من تحقيق الكثير، وساعدت بقدر إمكانياتي تأمين زيارات أهل المهندسين لهم0

7ـ مارست عملي في موقع نقيب المهندسين لمدة عشرين عاماً وبقيت بالتوازي أربعة أدوار عضواً في

مجلس الشعب، حاولت فيهما أكون نقيباً لجميع المهندسين كما حاولت أن أكون عضواً ناجحاً في مجلس الشعب أؤدي واجبي على أكمل وجه، وأرشيف جلسات مجلس الشعب تشهد على مدى نجاحي كما أن ما تم إنجازه للمهندسين توضح ما استطعت القيام به0

8ـ في عام 1991 على ما أذكر وفي اجتماع القيادة القطرية مع أمناء فروع الحزب والمحافظين ورؤساء المنظمات الشعبية والنقابات المهنية طرحت التالي:

خسرت الاشتراكية حرباً عالمية ثالثة من دون إطلاق رصاصة واحدة بسقوط الاتحاد السوفياتي وانفراط معسكر الدول الاشتراكية وحلف وارسو، ونحن اليوم في حزبنا ندفع الاشتراكات ولا نتكلم عن أي موضوعٍ حيوي في اجتماعاتنا الحزبية، بل نتجاذب أعقد المواضيع بين بعضنا في جلسات رفاقية غير رسمية، ولا أُبالغ عندما أقول بأن الساعة التي نقضيها في الاجتماع الحزبي تذهب من دون فائدة والبرامج الثقافية الحزبية مكررة ونادراً ما نجتمع مع عضو قيادة قطرية ومعظم قواعد الحزب لا تعرفهم، وأتمنى دراسة هذه الظاهرة حتى لا يظهر بيننا غوربوتشوف أو يلسين (والآن ظهر ما تخوفت منه في عبد الحليم خدام)0

كان جواب الرفيق الأمين القطري المساعد حاداً ومجافياً لكل منطق وبدأ بأن جماهير الشعب ملتفة حول القيادة التاريخية للرفيق المناضل حافظ الأسد( رحمه الله) وأن الرفيق غسَّان (يقصدني بذلك) متقاعس عن عمله الحزبي ولهذا  يُحمِّل أخطاؤه لغيره من رفاقه0(إن الكلام قريب جداً مما قلته وما قاله الرفيق الأمين القطري المساعد)0

طلبت الرد فلم يسمح لي بذلك، وقد شعرت أن عدداً من رفاقي من الحضور ومن أعضاء القيادة القطرية كانوا معي ولكن لم يتجرأ أحد بمجابهة ما قيلَ بحقي0

في مساء ذلك اليوم أتي دوري للحديث عن نقابة المهندسين وخططها وما نُفِذ منها ووضع النقابة من اتحاد المهندسين العرب والمنظمات الدولية0

بعد الانتهاء من العرض استأذنت لأقول (توقع الجميع أن أرد بنفس القسوة التي تمت مهاجمتي فقد اشتهرت بالنزق وعدم السكوت على أية إهانة أو خطأ): أنا ورفاقي في القيادة القطرية لنا نفس الحقوق وعلينا نفس الواجبات في الاجتماعات الحزبية، ولكن عليهم واجب هام في قيادة الاجتماعات بالديمقراطية التي تعلمناها من مدرسة القائد المناضل حافظ الأسد والخلود لرسالتنا، اعتقد بأن إجابتي كانت كافية ووافية0

عندما كنت أتحدث كان الهدوء بالغاً ولو رميت الإبرة لسمعت رنينها0

9ـ قبل موعد انعقاد المؤتمر العام لنقابة المهندسين السوريين الانتخابي وفي 4/12/ 1999 قابلت الأمين القطري المساعد وتناقشت معه حول انتخابات مجلس النقابة ورجوته بأنني لا أرغب أن أكون نقيباً للمهندسين في حال وجود اعتراض واحد من أعضاء القيادة القطرية على إعادة انتخابي وحصلت منه على جواب بأن القيادة لن تجد أفضل مني لهذا الموقع 0

جرت الانتخابات بتاريخ 6/12/ 1999وأصبحت للمرة السادسة نقيباً للمهندسين وبتاريخ 12 /3/ 2000 طلب مني الرفيق رئيس مكتب النقابات المهنية تقديم استقالتي من دون بيان الأسباب وفي اليوم الذي يليه كان عيد الأضحى، فلم أتأخر لتقديم استقالتي إلى ما بعد العيد بل قدمتها في وقفة العيد من دون تأجيل0

من الطبيعي أن أحزن وأزعل، وذلك بسبب عدم معرفة الأسباب الحقيقية لمثل هذا التصرف ولم يمضِ على انتخابي سوى ثلاثة أشهر،ولكن لم أفكر أن انتقل إلى معارض فمشاكلي تُحلُ من قبلي وفي اجتماعاتي الحزبية، عشت لفترة طويلة لأعرف ماذا أفعل إلى أن هداني الله لكتابة ما يجول في خاطري ونشره في الصحف المحلية وفي النشرات الإليكترونية  وفي جريدتي الكفاح العربي والسفير والكفاح العربي اللبنانيتين0  

أرسلت المقال الأول إلى جريدة الثورة بتاريخ 16/8/2000 ونُشرِ في العدد 11127 تاريخ 10/9/2000، وقد وضعت له عنوان (دور الإعلام وحب الوطن) ونشرته الجريدة بعد أن وضعت له عنواناً آخر (وجهة نظر) وطال مقص الرقيب بعض العبارات الواردة فيه ومع ذلك تابعت الكتابة0

وخيبت الأمل الثانية أرسلت مقالاً إلى جريدة تشرين عن خطاب القسم ورأيي في موقف بعض المثقفين منه وكان ذلك في تشرين الأول 2000 وبعد انتظار مدة تزيد على شهر رفضت إدارة الجريدة نشر المقال وكذلك لم توافق جريدة البعث على نشره، فأرسلت المقال إلى جريدة الكفاح العربي بتاريخ 25/3/ 2001 فنشرته في العددين 2875و2876 تاريخ 29و30/3/ 2002 تحت عنوان: "دعوة إلى قراءة جادة لخطاب القسم، المثقفون 00000 والأخطاء الثمانية"0

10ـ آخر مقال نُشِر لي كان بعنوان: "قبل أن يصبح وزيراً خواطر حول إحداث سوق للأسهم والسندات والأوراق المالية" وقد نُشِر في جريدة تشرين العدد /9063/ وبتاريخ 5/10/2004 0

صدر مرسوم تكليفي بوزارة الصناعة بتاريخ 4/10/2004، فتوقفت عن الكتابة وقد زاد عدد المقالات من أول مقال حتى آخر مقال على 161 مقال، ومنذ 12/2/2006 تاريخ انتهاء تكليفي بوزارة الصناعة نشرت 16 مقال كلها نُشِرت في نشرة "كلنا شركاء في الوطن" وقد نُشِر بعضها في نشرات إليكترونية مختلفة0

11ـ من خلال الانتقادات التي كُتبت على مقالاتي الجديدة توصلت لبعض القناعات الآتية:

ـ توجيه النقد لفكرة جانبية من المقال إن كان في المدح أو الذم0

ـ التفكير عني بأنني متمسك برغبتي العودة إلى موقع مسؤول مجدداً ويعْرف أصدقائي المقربون بأنني لم أرتاح يوماً في عملي الوزاري ولم أتمسك به أبداُ ولديَّ شهود من بين الوزراء الحاليين ومن بين من انتهت مهمته معي0

ـ الاستفسار عن ماذا فعلت عندما كنت وزيراً للصناعة، ومع الأسف الشديد ليس من حقي التباهي بما فعلت، وكل ما فعلته هو ملك للحكومة، ومن الطبيعي أن يكون لكل مسؤول صديق يقابله عشرة أعداء0

لقد نُشِر آخر مقال لي في الفترة الأخيرة: "مناقشة هادئة لإعلان بيروت دمشق ـ دمشق بيروت0 وقد أنهيت المقال بالعبارات التالية:

ومع ذلك أسأل نفسي السؤال التالي:

أيهما أفضل لوطني سجن الموقعين على الإعلان أو إطلاق سراحهم؟، وأجيب من خلال اطلاعي على كتاباتهم حيث تجد فيها مواقف أقسى مما جاء في الإعلان، لهذا أتمنى إطلاق سراحهم.. ، متمنياً عدم تخوين أحد ما دام الإعلان لا يتعد الكلمة المكتوبة بالقلم.

وبعد أن أوضحت الجزء الهام من حياتي كعضو عامل في حزب البعث العربي الاشتراكي وأوضحت بعض

الظروف غير الحميدة التي وُضِعْت أمامها وقد بلغت من العمر عتيا، وبقيت متماسكاً مع ما آمنت به في بداية الخمسينات ولم أرغب لنفسي أن ابتعد عن ما آمنت به ولهذا وجدت أن من حقي أن أتوجه إلى السيد رئيس الجمهورية برجاء إطلاق سراح موقعي ذلك الإعلان سيئ المعاني والهدف وأن نحاورهم فهم أبناء من هذا الوطن ولسنا جميعاً بمستوى واحد من الثقافة أو التفكير ولكل منا توجهاته المختلفة وفي الاختلاف صحة الوطن ونحن بأمس الحاجة لمحاورة الناس ما دامت أقلامهم هي المعبر الوحيد عن أفكارهم ولن نستفيد من سجنهم، فإنني متعطش لمناقشاتهم فهو الطريق الأفضل لزيادة اللحمة الوطنية بين فئات الشعب المختلفة بغض النظر عن مشاربهم الفكرية والعقائدية وما دامت معرضتهم لا تتعدَ الكتابة0

 

دمشق في 5 حزيران 2006                                           الدكتور المهندس محمد غسَّان طيارة