التيار السوري الديمقراطي                           بالحرية والمعرفة تسد الشعوب  

				
				
				
				
				
				

   22/03/2006                                                        الصفحة الرئيسية   اتصل بنا   من نحن   العلم السوري  الدستور السوري

       
 
الدكتور عارف دليلة يتكلم من سجنه ( الحلقة الخامسة )

أيّها السادة القضاة

 

حسن دليلة

الدكتور عارف دليلة يتكلم من سجنه ( الحلقة الخامسة )

أيّها السادة القضاة
هذا هو جوهر " جريمتي " المعروضة أمامكم وليس ما جاء في قرار الإتّهام ممّا قصد التمويه على القضيّة . أضرب لكم مثلاً من عشرات القضايا التي تحدّثت فيها في السنوات الطويلة السابقة ففي عام 1991 صدر القانون رقم 10 لتشجيع الإستثمار ومنذ اليوم الثاني لصدوره تتالت القرارات الحكومية المخالفة له ليس فقط لروح وأهداف القانون التي قصدها المشرّع بل لنصّه الحرفي وذلك بإعفاءها السيارات السياحية المستوردة بغرض التأجير من الرسوم الجمركية والضرائب والتي لا يعفيها نص القانون إطلاقاً وكنت الوحيد على مدى عشر سنوات الذي قال فور بدء هذه المخالفات وكرّر مئات المرّات أن الحكومة هي أكبر خارج على القانون ويجب محاكمة المسؤولين عن مخالفة القانون وإجبارهم على رد عشرات مليارات الليرات السورية المضيّعة قصداً من حقوق الشعب واضطرّ وزير الماليّة إلى الإعتراف بصحّة قولي في ندوة كليّة الإقتصاد وأمام الجمهور وكتبت مقالاً مفصّلاً أوضّح فيه هذه المخالفة الخطيرة وهذا الإعتراف بها في جريد البعث ومضت عشر سنوات وكأن شيئاً لم يكن ولم تتحرك شعرة ٌ في رأس أي مسؤول سياسي أو حكومي أو عضو في مجلس الشعب للتحقق من هذه القضيّة ولإعادة الأمور إلى نصابها وكأنه ليس في البلاد من يأبه لحق عام في وقت أصبح الإدعاء العام يدافع عن حقوق خاصة كما يفعل قرار النيابة العام الذي بين أيديكم والذي يبرّر إعتقالي المفتوح وإحالتي إلى محكمتكم وتجريمي لا لشيء إلا لأن دفاعي عن الحقوق العامة للدولة والشعب يحاصر منتهكي هذه الحقوق الأشاوس .
وأخيراً وأنا في السجن يعترف وزير النقل الجديد على صفحات الصحف المحليّة مرّات عديدة بأنّه كانت هناك مخالفة للقانون أضاعت مليارات الليرات السورية على الدولة وكانت الحكومة تغضّ النظر عنها ولا بد الآن من تصحيحها . متى أيها السادة . بعد عشر سنوات . وبعد إضاعة مئات المليارات من الليرات السورية على خزينة الدولة والإقتصاد الوطني فكيف يمكن لجميع مستويات السلطة أن تغضّ النظر مشتركة عن واحدة من أكبر الجرائم الإقتصاديّة التي ترتكب رسمياً بشكلٍ واعٍ وهادف ثم يُزجُّ بالسجن المواطن الوحيد الذي طالب وعلى مدى عشر سنوات بوقف هذه الجريمة ثم وبعد سجنه يُعترف رسمياً بهذه الجريمة . وهذه واحدةٌ أخرى أيضاً فمنذ سنوات عديدة وأنا أحاضر وأكتب عن ضياع حق الدولة والشعب في الجمارك والضرائب حتى أصبح هذا الأمر شائعاً ويتكرر في الجرائد الرشمية . فلبنان مثلاً الذي يتبع سياسة ليبرالية لا حمائية في الإستيراد وحيث معدّلات الرسوم الجمركية لديه أقل بكثير من سوريا يبلغ مدخول الخزينة العامة لديه من الرسوم الجمركية سنوياً من 1,4 – 1,5 مليار دولار هذا بينما لا تزيد هذه الرسوم في سوريا عن 200 – 300 مليون دولار رغم أنها تتبع سياسة سياسة حمائية وتطبق أعلى معدّلات الرسوم الجمركية في العالم ... ومنذ سنوات وأنا أبيّن أن الضائع من هذا البند وحده مقارنةً بلبنان يعادل 50 مليار ليرة سورية سنوياً أي ما يزيد عن مجمزع الرواتب في الميزانية العامة ورغم الإعتراف بهذه الواقعة إلا أن أحداً من أي مستوى من مستويات السلطة لم يكلّف نفسه حتى الإهتمام بحقيقة القضية ومراجعتها . ومنذ مدة صدر قرار موجه إلى السلطات المرفئية في اللاذقية وطرطوس يطالبها بإغلاق المكاتب غير المرخّصة العاملة داخل المرافىء والتي تقوم بفرض أتاوات غير قانونيةعلى أصحاب البضائع المستوردة أو المصدّرة وفي 22 / 7 / 2000 وبعد أشهر على صدور قرار وزير النقل تنشر الجرائد أن مدير مرفأ طرطوس أصدر قرار بنفس المعنى للعاملين في المرفأ مما يدل على أن قرار وزير النقل لم يأخذ طريقه للتطبيق ولا يعدو كونه حبراً على ورق وأن حقوق الدولة مستمرّة في الإنصباب في جيوب من هم أقوى من الدولة ممن يفرضون أتاواتهم بإعتبارها الأولى بالتحصيل من أي حق عام . هذه أمثلةٌ قليلةٌ أوردتها في محاضرا تي على مدى خمسة عشر عاماً وهناك العشرات غيرها أوردتها للتأكيد على أن إعتقالي وإتهامي ومحاكمتي لا علاقة لها كلها بهذا السفه والعته والتزوير الذي جاء به قرار النيابة العامة وإنما هي تنفيذٌ لأوامر المتضرّرين من كشوفاتي عن الجرائم المرتكبة على أمن الدولة والشعب مما يدعوني إلى التساؤل ؟ أين هو المدعي العام الحقيقي في سوريا ومن يحرّكه ومتى يتحرّك في الإتجاه الصحيح وماذا يعمل وكيف يعمل ؟ ومن هي المرجعيّة الحامية للحق العام . إذن وكيف يمكن لمواطن مثلي الإعتماد عليها ليس في درء التهمة الباطلة عن نفسه فحسب على خطورتها بل لدرء الإعتداءات الحقيقيّة ومحاسبة مرتكبي هذه الإعتداءات . والأهم من ذلك إعادة حقوق الدولة والشعب إلى مستحقّيها وإغناء الدولة والشعب والمواطن بدلاً من أصحاب الأتاوات ..


أيها السادة القضاة

اما بخصوص القضايا الإقتصاديّة العلميّة التخصصيّة التي اقتطفها القرار الإتهامي من مداخلاتي ليجعل منها إتهامات بنشر أنباء كاذبة تنعكس سلباً على مكانة الدولة المالية وقيمة أوراقها النقديّة أو تسيء إلى سمعة الدولة وسياساتها وسلطاتها ومسؤوليها وتوهن نفسية الأمّة وهي في حالة مواجهة مع العدو فإن هذه القضايا لا يمكن البت بها إلا من قبل متخصّصين متعمّقين في علم الإقتصاد السياسي بالأخص والعلوم الإقتصادية المتخصّصة بها على العموم . وهذه العلوم هي من أعقد العلوم على الإطلاق ومن الجريمة أن يتطاول عليها ويستبيح ساحتها مخبرون أميّون مغرضون أو حتى أصحاب إختصاصات أخرى وأي قرار يتخذ بشأنها بعيداً عن أصحاب الخبرة المؤهّلين فيها سيكون إذا أحسنت النيّة خطأ فادح إن لم يصبح فضيحة لا يليق بمحكمتكم الوقوع فيها بإعتبارها ليست صاحبة الإختصاص بها فهذه القضايا هي موضوع بحث تخصّصي مفتوح لا يستطيع وُلوجه إلّا كبار أصحاب الإختصاص فيه دون أن يدّعوا بأن أي نتيجة يتوصّلون إليها تمثل الحقيقة كاملة .
هذا بشأن الحق العام أيها السادة أما بشأن حقّي الشخصي فوالله لو أعطاني الله عمر نوح على أن لا أعمل خلاله شيئاً سوى إستيفاء حقّي من مرتكبي كل هذه الإعتداءات على عملي وحريتي وحقوقي الأساسية منذ صرفي من الخدمة وإعتقالي وحتى اليوم ما استوفيت منهم حق يوم واحد .
إن جميع الحقائق الخطيرة التي جاءت عليها محاضراتي خلال العقدين الماضيين حول السياسات والأوضاع الإقتصاديّة والإجتماعيّة والتي ثبت صحّتها حتى أصبحت شائعة على كل لسان ومتكرّرة في الصحف اليوميّة أنّها جميعها لم تحرّك شعرة عند المتظاهرين بالدفاع عن النظام العام بل ولم تستوقفهم ولو لمجرد التأمل في آثارها أو نتائجها بدليل أنّهم وصفوني بعد ما قدّمته لهم منها سواء أثناء التحقيق من قبل الأمن السياسي أومن قبل النيابة العامة بأنّني أحاول جاهداً تبرير مقولاتي بما يتناسب مع موقفي الدفاعي للتنصّل من المسؤوليّة وأيّة مسؤوليّة كما جاء في قرار النيابة العامة . لكن من يقرأ إجاباتي على الأسئلة في هذين التحقيقين سيكشف أنني لم أكن أبداً في موقفٍ دفاعي ولا في موقفٍ تبريري بل في موقفٍ ثابتٍ على كلمة الحق والحقيقة ولكنّ المعركة قد حُسمت منذ الّلحظة الأولى وهذا ما استدعى وضعي تحت التسجيل الإلكتروني لأشهرٍ طويلة علّ سنّارتهم تحمل بعض أعشاب البحر التي تصلح كأدلّة لاحقة لتبرير الإعتقال والحقد وسوء المعاملة ثمّ الحكم بأضعاف ما يوجبه القانون لو صحّت هذه التهم وهذا ما هو مقرّر بشكلٍ مسبق من قبل أصحاب المصالح الشائنة الذين كما أصبح واضحاً جداً بأن صدورهم قد ضاقت بكشوفات الحسابات الضخمة التي كانت تلاحقهم من وراء محاضراتي وأنشطتي الثقافيّة .
إن حماة الفساد الذين لا تستوقفهم كل الوقائع التي سمعوها على لساني عن الجرائم المرتكبة في حق الوطن والشعب وإنما تستوقفهم كلمة عابرة في حق هذا المسؤول أو ذاك لتحتلّ عندهم محلّ " الجريمة على أمن الدولة " ولتبرّر هذه المعاملة . وهذا كلّه بعد أن حلّت الّلعنات بالكثير من هؤلاء المسؤولين رسمياً . إنّ هؤلاء أصبحوا العثرة الأكبر على طريق النهوض والإرتقاء والتطوّر اللاحق لسوريا وعلى إيجاد الحلول الناجعة لمشكلاتها الإقتصاديّة والإجتماعيّة وأصبحوا الدليل على حالة إنحطاطٍ سياسي وأخلاقي عام يجب أن يتّجه الإصلاح لمعالجته أوّلاً والشفاء منه حتى يستطيع أن يغيّر شيئاً في واقع الحياة ومن يقرأ بياني الإنتخابي الذي وزّعته أثناء حملة الترشيح لإنتخابات مجلس الشعب والذي اعتُبر على بساطته ظاهرةً فريدةً من نوعها على مدى ربع قرن من الإنتخابات في سوريا حيث حذّرت فيه من ضياع أربع سنوات قادمة ووضعتُ فيه مشروعاً من عشر نقاط للإصلاح الإقتصادي والتشريعي والإداري قد يكون صالحاً لليوم كما كان صالحاً بالأمس فهل يا ترى يحتفظون بي في السجن حتى لا أستطيع إصدار بيان إنتخابي آخر . ولكن كما يبدوا أنني لم أستطع أن أصدر أي بيان إنتخابي بعد الحكم الذي فبركوه لي وحيث أنه يجب البدء بإصلاح النظام الإنتخابي والسياسي والذي يشكّل المفتاح الذي لا بديل له للإصلاح الإقتصادي وإن أي إصلاح إقتصادي أو غيره لا يرافقه إصلاح انتخابي وسياسي يضخّ فيه روح الحياة لن يضيف سوى المزيد من سنوات الهدر والضياع من الفرص والإمكانيات على ما ضاع من عمر سوريا وقدراتها الماديّة والبشريّة يساوي فيه اليوم الواحد السنوات الطوات من العصور السابقة . إن الخوف من مواجهة هذه الحقائق التي أثيرها يشكّل أهم الأسباب الكامنة وراء الإعتقال والعزل المطبق عليّ . فإذا كان هذا الإعتقال والعزل هو المخرج لسوريا من واقعها الراهن بإعتباري والكثيرين من المنادين بالإصلاح أصبحنا المعوق الرئيسي على طريق الإصلاح كما ذكرت مقالات " علي جناح التبريزي " المنشورة في الجرائد الرسمية بعد إعتقالنا فلا بأس من التضحية في سبيل الصالح العام ولكن ماذا لو كان العكس هو الصحيح . أليست الإنسانية مجسّدة في كل فرد وليست مفهوماً مجرّداً وإن الإعتداء على الإنسان الفرد هو إعتداء على الإنسانية . ها أنا ذا في معزلي منذ مدة طوبلة وقد أزيلت هذه الإعاقة فما الذي حصل ؟؟ إنّ ما حصل فقط هو تأكيد الحقائق المطالب التي أطرحها والتي طرحتها . إنّ سوريا اليوم بحاجة إلى إطلاق حريّة المشاركة والإنفتاح الحقيقي على الرأي الآخر بدل إعتقاله وتمكين المواطنين من كافة حقوقهم من أجل إشراك الجميع في جوّ تنافسيّ إيجابيّ خلاّق في ورشة عمل نشيطة حيّة للنهوض بالبلاد وهذا ما يؤكّد ما أطالب به دائماً وهو وضع الحقوق والحرياّت الأساسية المنصوص عليها في الدستور وشرعة حقوق الإنسان موضع الرعاية الجديّة والإلتزام والإحترام الفعلي من قبل جميع أجهزة السلطة ومسؤوليها . ومن أجل ذلك فقد تأكد جديّاً أن سوريا في حاجة ماسّة إلى إنشاء وزارة وهيئة لحقوق الإنسان والمواطن كما في بعض الدول العربية " المغرب مثلاً ودول أخرى " وتعميم ثقافة حقوق الإنسان والمواطن على جميع المراحل التعليمية ومحاسبة الجميع علىمدى الالتزام باحترام هذه الحقوق والحريات وقيام هذه الوزارة أو الهيئة بمتابعة حثيثة لأوضاع حقوق الإنسان والمواطن تحت شعار يرفع اسم سورية وهو تبيض صفحة سورية في مجال حقوق الإنسان كالشعار الذي رفعته المغرب وذلك لإحياء شخصية الإنسان السوري وبعثها من تحت الأنقاض المتراكمة . لقد كشفت لي تجربة الإعتقال والسجن والمحاكمة التجاوزات المريعة لحقوق الإنسان الدستورية والقانونية والتي ينتج عنها بشر مقهورون معرضون للقمع بسبب التفكير بقضية وطن وليس شعباً شامخاً بنفسه وبوطنه وهذا هو يوهن نفسية الأمة وليس الإشارة إلى السلبيات والمفاسد والمفسدين من قبل المفكّرين المخلصين الحاملين لهموم الأمة في حاضرها ومستقبلها ..
إن الذين قرروا إعتقالي يعرفون جيداً ولكنهم يتجاهلون عمداً أنني لم أطمح يوماً في منصب وقد عُرض عليّ تسمية الموقع الذي أرغب فيه ليصدر قرار تعييني فوراً فكان جوابي " طلبي الوحيد هو استعادة حقي القانوني بإلغاء قرار الصرف من الخدمة غير القانوني وليس لي طلب آخر " ويبدو أن هذا الجواب كان من بين الأسباب المؤكدة على إستحالة الإخضاع بحيث لا يبقى من وسيلة إلا الإعتقال إذا كان المطلوب ومنذ زمن طويل أن أنطوي وأنضبُ في أحد الجيوب كما أصبح سائداً وأتناسى الشأن العام وأخضع للقانون العام السائد فأغرق في الشأن الخاص وهو ما فشلت في تحقيقه محاولات حثيثة من قبل جميع الأجهزة على مدى سنوات طويلة مما شكّل لدى المتضررين دافعاً ثأرياً مضاعفاً كان يتزايد احتقاناً مع تعذّر وضعه موضع التنفيذ في المرحلة السابقة وبقي مؤجلّاً لكن على رأس جدول الأعمال عندما تحنْ الفرصة المقنعة حتى وجدوا هذه الفرصة في لقائي بالرئيس في 10 / 8 / 2000 وفي الحديث الذي أجبت من خلاله على أسئلته فوضعوا خطة التتّبع مع سوء النية المسبق التسجيل وتضخيم وتزوير الكلمات الإرتجالية التي ألقيتها في المنتديات حصراً دون المحاضرات المطبوعة والمقالات المنشورة. الموثقة للإيهام بأنني ظهرت كالفطر بعد هذا اللقاء مباشرةً دون أية سوابق في إطار مؤامرة للإساءة إلى الوضع الجديد علماً بأن كل ماورد على لساني في قرار النيابة العامة يخص الواقع المتكرّس على مدى سنوات طويلة والذي لاعمل للإصلاحات الجديدة إلا للتخلّص من أوزاره لذلك فإن قرار النيابة العامةالإتهامي ليس في جوهره سوى محاولة مستميتة للدفاع عن الفساد وتبرئة المفسدين وإعطائهم عمراً آخر وذلك رغم الكشف الرسمي عنهم في كلمة الرئيس حافظ الأسد الموجهة إلى مجلس الشعب عام 1998 / والتغيير الحكومي الذي نتج عنه وإحالة بعض المسؤولين الذي يدافع عنهم قرار النيابة العامة وكذلك في قول الرئيس بشار الأسد إلى الدكتور عصام الزعيم بعد سماعه كلامه وكلامي في ندوة الثلاثاء الإقتصادية " إن الواقع أسوأ بكثير مما تتحدثون عنه " كما صرح بذلك الدكتور عصام الزعيم إلى جريدة المستقبل اللبنانية وإلى جريدة الثورة السورية فكيف يضع قرار النيابة العامة نفسه في مواجهة هذا الكشف الرسمي من أعلى المستويات عن فساد الوضع الإقتصادي والإداري العام وعن الممارسات الفاسدة للكثير من المسؤولين المعلنة رسمياً وفي مواجهة من حمل مسؤولية هذا الكشف على مدى سنوات طويلة معرضّاً نفسه لمختلف المخاطر والتهديدات ومضحّياً بمصالحه وحياته الشخصية فهل يراد بهذا القرار وبزوبعة الإعتقالات عموماً إفشال إنجازات المهمة التي يطرحها الواقع بإلحاح وهي الإصلاح الشامل ليضاف هذا الفشل إلى النجاحات السابقة لقوى الفساد والإفساد في إفشال جميع محاولات الإصلاح وتحويل وصرف الأنظار عن الإتجاه الحقيقي للإصلاح لإعطاء عمر جديد وفرصة أخرى لإدامة عوامل الفساد ومصالح القوى التي تكمن وراءها وإبقاء كل من يقف في مواجهة المفسدين تحت كابوس الإرهاب والقمع والتهديد بالإعتقال والمحاكمة والتجريم بأكبر الجرائم ... إن المصالح الدنيئة والغايات غير الشريفة فقط هي وحدها التي تفسّر وتبرّر الحاجةإلى الوسائل غير الشريفة كالتي استخدمت مع المعتقلين منذ اللحظة الأولى لإعتقالهم أما الغايات الشريفة وهي رفعة الوطن والدولة والشعب فلا تحققّها سوى الوسائل الشريفة من نوعها وهي إطلاق الحريّات الدستورية حريّة الرأي والتعبيروالنشر والإعلام وحريّة الإجتماع والتنظيم والإنتخاب الأمر الذي يتطلب قبل كل شيء إخراج أعداء السياسة من ساحةالعمل السياسي التي احتلّوها ولم يخرجوا منها منذ سيء الذكر العقيد عبد الحميد السراج في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين والذي تتحمّل مدرسته المباحثية الكريهة المسؤولية الكبرى عن تدمير التجربة السورية المصرية في أول وحدة عربية في التاريخ الحديث بالإشتراك مع أساتذتها المدرسة المباحثية المصرية آنذاك . إن مدرسة السرّاج المباحثية التي مازالت عقليتها وأساليبها تفرّخ أعداء السياسة إلى اليوم في سوريا تتحمل المسؤولية عن إعاقة تطور سوريا وهدر قدراتها المادية . والبشرية بقيامها طيلة عقود سابقة بتفريخ ودعم وتغطية عديمي الكفاءة والنزاهة والفاعلية وتسليطهم على مقدرات البلاد والعباد وهم الذين يتساقطون اليوم بالجملة مع انكشاف وقائع الفساد والتخريب .
إن عودة كل ساحة إلى أهلها وعدم تداخل الاختصاصات وتنازع المهام بينها وبالأخص عودة الساحة الفكرية والسياسية محررة كلياً من الفكر والسياسة إلى أهلها من رجال السياسة والفكر والعمل الوطني والإجتماعي العام هو مفتاح سورية لدخول العصر الجديد قبل أي إصلاح آخر وهو الحاجة الأكثر إلحاحاً للنظام الجديد في سورية لتحصين الأمن الإجتماعي ومواجهة التحديّات الخطيرة التي تواجهه . إن سورية بأمس الحاجة إلى ذلك قبل الخبز والماء لأن في ذلك القوّة والكرامة وهي الأغلى من الخبز والماء والهواء إن الإنحرافات والأخطاء الفردية والفساد والمفسدين والتخريب والمخربين كل ذلك موجود في كل زمان ومكان وليس في سوريا وحدها هذا صحيح ولكن الأصحّ منه هو أنها كلها لاتتحول إلى أخطار وجرائم كبرى تهدّ حيل الدولة والشعب والمواطن إلا عندما ينجح المفسدون والمخربون وأعداء الشعب في تغييب وإقصاء الشعب عن قضاياه اليومية والمصيرية بزعم أن لديهم من هم أجدر وأقدرعلى تحمّل هذه المسؤولية بالنيابة عنه إلا أن تجربة أربعة عقود ونيف تؤكد خطل وخطر هذا الإدعاء . إن التمسك بهذا الزعم يؤدي إلى الشارع منحنى الإنحطاط هبوطاً في جميع ميادين الحياة . إن من الخطأ الجسيم الإقتناع بأنه بالإمكان تحويل هذا المنحنى إلى الصعود فقط بالتحديث التقاني أو بتبديل الوجوه أو بالقرارات الفوقيّة مهما حسنت الوجوه والقرارات والنيّات . جميع التجارب تبرهن على أن التقويم والفرز الصاعد من القاعدة من الشعب للأشخاص كما للسياسات والقرارات بالطرق والقنوات والوسائل الديمقراطية المجرّبة في العالم أجمع هو الضمانة الوحيدة لسلامة الطريق ولسلامة الإختيار ولتحقيق أفضل النتائج بأقلّ التكاليف والجهد والوقت وفق ما يقول المبدأ الإقتصادي البسيط " الذّي يصح في السياسة لا يصلح في الإقتصاد " وصدق الرسول العربيّ صلّى الّله عليه وسلّم إذ قال " ما اجتمعت أمتي على ضلال " أما مسؤولوا الأمّة المتنصّلين من رقابتها فلم يسجّل التاريخ إلاّ نادراً جداً أن إجتماعهم لم يكن على الضلال ولهذا قال الخليفة الراشدي عمر بن الخطّاب رضي الّله عنه " إذا رأيتم فيّ إعوجاجاً فقوّموه بحدّ السيف " فقال أعرابيّ والّله لو رأينا فيك إعوجاجاً لقوّمناه بحدّ سيوفنا فزجره بعض الحضور فقال الخليفة " لا خيرفيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها " وخير ما نختتم به هذا الكلام الفصيح هوحكم سيّد الفصاحة والبلاغة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم الّله وجهه " من استبدّ برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها – من وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلومنّ من أساء به الظن –لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق – آلة الرياسة سعة الصدر – لا خير في الصمت عن الحكم كما أنّه لا خير في القول بالجهل –أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع .
.
للبحث تتمة
الجزء الاول  - الجزء الثاني  -  الجزء الثالث - الجزء الرابع- الجزء السادس