الإبداع في الحياة السياسية السورية
نماذج من المضحك المبكي
بقلم: عمر إدلبي
08-02-2007
يعرف أحد العلماء الإبداع بأنه: التميز
في إنجاز عمل بصورة تشكل إضافة إلى الحدود
المعروفة في ميدان هذا العمل، ويعرفه عالم
ثانٍ بأنه: مجموعة سمات استعدادية، منها
الطلاقة في التفكير، والمرونة، والأصالة،
والتصدي للمشكلات بحساسية عالية وإعادة
تعريف المشكلة وتوضيحها بتفصيل وإسهاب،
بينما يعرفه عالم آخر بأنه: ترجمة المعارف
والأفكار بجودة متناهية، أو إعادة دمجها
بصورة غاية في الجدة والحرفية.
إلا أن فعل الإبداع ضرب من المستحيل في
مجتمع نعيش فيه تحت ظل تجمعات و هيئات
ومؤسسات متنوعة وأنظمة متعددة لا تقدم
كائننا البشري إلا على هيئة إنسان متلقٍ
ومنفعل لا يمارس من فعاليته الشخصية إلا
ما ترضى عنه هذه الهيئات والمؤسسات
والأنظمة، وإن قُدّر له ممارسة هذه
الفعالية الشخصية الحرة والمبادرة فإنها
تواجه بقواعد صارمة من المحرمات
والممنوعات، مما يقوده بالتالي إلى خسارة
الحلم عبر اللجوء اضطرارياً إلى خيار من
خيارين، أحلاهما الانكفاء إلى اليأس
والإحساس بالضآلة، أما الأشد مرارة بينهما
فهو الاصطدام الإجباري بين الحلم بالإبداع
من جهة، وجملة المعوقات سابقة الذكر من
جهة ثانية، وهو التصادم المفضي إلى الطرد
أو التغييب في أحسن الحالات التي شهدها
واقعنا حتى الآن.
هذه المقدمة الطويلة دفعني إليها واقع
الحياة السياسية السورية الذي يعاني جملة
حالات وهن، إن لم نقل موتاً سريرياً يمر
عليه المعنيون مرور الكرام، أو اللئام،
فلا هم يتصدون للمشاكل بهمة وإبداع، ولا
هم يتركون الأمور للعارفين ببواطنها
والمندفعين للتضحية في سبيل تغييرها، ولا
هم يحزنون!!!
إلا أن هذا الواقع المخزي من غياب الإبداع
لا يغيب عن أنظارنا حالات خاصة بلغ فيها
الإبداع مقاماً عالياً يستحق الإشارة
إليه، وسنتناول في هذا المقام حالات
إبداعية لا يمكن تجاهلها بأي حال من
الأحوال، نظراً لحرفية الفعل الإبداعي
فيها، والإضافة التي تقدمها على صعيد
ممارسة السياسة في سوريا، ومن هذه الحالات
التي ننوي الإشارة إلى بعضها ما يأتي من
السلطة، ومنها ما يأتي من المعارضة، مع
التنويه أن لكل أسبابه وحساباته وأهدافه
و.....إلخ.
أحد أهم مظاهر الإبداع الذي تمرس به
النظام السوري هو القمع المعمم غير
المحدود بزمان ولا مكان ولا .... إلخ، إلا
إنه الآن يبدع شكلاً جديداً من القمع يلبس
لبوساً قانونياً قضائياً، حيث لجأ وما زال
إلى القضاء المدني السوري وبدأ باستخدامه
بديلاً عن القضاء الاستثنائي، ومن المعلوم
أنه يتوفر للنظام بعد عمر مديد من تسييسه
لهذا المرفق الهام رجال قضاءٍ مطواعون،
ولا يملكون من أمرهم إلا تلبية رغبات
وإرادة النظام في استخدام هذا القضاء أداة
قمع شديدة التأثير في وجه الحراك السياسي
المعارض وناشطيه، وقضايا المناضلين فاتح
جاموس ومحمود عيسى ومحمد حسن ديب وميشيل
كيلو وأنور البني ومحمد محفوض وسليمان
الشمر، وغيرهم من المناضلين قضايا ما زالت
منظورة أمام المحاكم، وواقع الحال يشير
إلى أن النظام لا يزال مصراً على التدخل
السافر والمدان في مجرى هذه القضايا،
وبالتالي جعلها وسائل لترهيب الناشطين
المعارضين ومن وراءهم المجتمع بأسره،
وإيداع هؤلاء المناضلين وأصحاب الرأي إلى
جوار المجرمين الجنائيين من قتلة وسارقين
ومنتهكي أعراض لا يصنف إلا في خانة إبداع
شكل قمعي وجديد من التعذيب المقصود نفسياً
وجسدياً، وحالات الاعتداء على المناضل
فاتح جاموس وكمال اللبواني وغيرهم من قبل
بعض المجرمين السجناء خير شاهد على النية
الإبداعية المبيتة من قبل السلطات القمعية
للتنكيل بهؤلاء المناضلين.
وأمام هذا الواقع الجديد والمؤسف بكل ما
تعنيه الكلمة من معنى بات من الضروري أن
يتصدى الشرفاء الوطنيون من رجال القانون
لهذا الإبداع القمعي بإبداع مضاد وخلاق
يساعد على خوض معركة حقوقية وسياسية مع
النظام وأداته القمعية الجديدة.
هذا مثال من بعض ما يحصل على ضفة النظام،
فماذا يحدث على الضفة المقابلة حيث تصطف
القوى المعارضة الوطنية الديمقراطية؟
لم تستفد المعارضة السورية أدنى فائدة من
حملة الاعتقالات التي شنها النظام في صفوف
مناضليها، وواقع الحال يشير إلى أنها
انحسرت وتراجعت على نحو ما، وعوضاً عن
مواجهة هذا الواقع القمعي بتعبئة قوى
جديدة من المجتمع السوري والرأي العام
العالمي لتشكل مدافعاً جديداً عن هؤلاء
المعتقلين مارس إعلام بعض قوى المعارضة
حالات من الإقصاء المدان عبر تغييبه قضايا
بعض المناضلين قصداً أو بغير قصد، كما في
حالة غياب أي ذكر للمعتقلين فاتح جاموس
ومحمود عيسى عن العدد الذي أوردت فيه نشرة
(أطياف) أسماء المعتقلين، وهو سلوك إبداعي
يعكس توجهاً مقلوباً وسلبياً لفهم الإبداع
باعتباره من حيث الجوهر يتمثل في التصدي
للمشكلات بحساسية عالية، ولا يختلف عن هذا
الحال ما تردد عن صراع خفي بين مجموعات من
المحامين الذين تصدوا للدفاع عن هؤلاء
المعتقلين، حيث بدت في الأجواء ملامح
انقسامات على خلفية انتماءات هؤلاء
المحامين الحزبية من جهة، ورغبة البعض
منهم في احتكار هذه المهمة النبيلة
التطوعية من جهة أخرى، ولم يكتم المعتقلون
حقيقة أن هذه الممارسات انعكست سلباً على
معنوياتهم، وكأن الأمر ينقصه مثل هذه
الإرباكات غير المبررة!!
وهذا السلوك لا يختلف عن سلوك إبداعي آخر
ظهر في غياب الكثير من قيادات المعارضة عن
لقاءات الترحيب بالمعتقلين المخلى سبيلهم،
في الوقت الذي يجوب البعض منهم بلاد الله
الواسعة، ويسافر من الجنوب إلى الشمال
لحضور تعزية بوفاة، على أهمية هذا الفعل
الإنساني المرحب به دون أدنى شك، وأكثر ما
يخطر في البال في هذا المقام مقولة للنفري:
"الكون موقف! وكل جزئية في الكون موقف!"
قد يقول قائل: لماذا هذه القسوة؟ والجواب
بسيط ولا يستعصي على الفهم، إن ما نشير
إليه ما هو إلا للتنبيه والذكرى، وذكّر إن
نفعت الذكرى!!!
إن من أهم الممارسات التي تعزز قوة
المعارضة هو التضامن، ولا سيما في هذه
الحالة التي تنوجد فيها المعارضة السورية،
من قلة في العدد وضعف في وسائل وأدوات
الفعل والتأثير، وغياب روح التضامن يجعل
مناضلي المعارضة الوطنية عرضة للاستفراد
بهم من قبل النظام، كما كان يحصل في
السنوات الخوالي، لا أعاد الله ذكرها، كما
أن هذا السلوك الإبداعي السلبي لا يفسر
إلا بأنه عودة من قبل البعض لسياسة تجاهل
الآخر الوطني وإقصائه، في وقت نحن بأمس
الحاجة فيه لتأكيد حاجتنا لقوى الجميع
واحترام كل منا للآخر عبر السلوك والموقف
قبل القول الفارغ من مضمونه، ومن هنا يأتي
اليأس من قدرة هذه القوى على الابتعاد
نهائياً عن التفكير المَرَضي بأحقيتها دون
الآخرين بزعامة المعارضة وامتلاكها الحصري
لحق تمثيلها، وهذا برأينا يعكس حقيقة أن
بعض قوى المعارضة تدعي الديمقراطية
ادعاءً، إما للتعبئة، أو للتضليل، ولا
تعرف منها إلا الصراخ والأقوال، وعند أي
موقف يحتاج التمسك بروح الفعل الديمقراطي
فإنها تنكفئ إلى التعارضات الإيديولوجية،
ولنكون أكثر جرأة سنقول أنها خلافات شخصية
للأسف، وتسفر عن وجه قبيح لا يشرف
المعارضة الوطنية الديمقراطية، ولا يزيدها
إلا خسارة.
ومن مشهد إبداعي هزلي آخر يتبين لنا
انعدام وجود أي تصور عملي بعيد المدى، وفي
أحسن الأحوال التخبط في عمل المعارضة
السورية على صعيد البرنامج السياسي
والاقتصادي، بما يمكن اعتباره إبداعاً
صارخاً يثير الرغبة بالبكاء، وأكثر
الأمثلة الفاضحة لهذا الواقع تتمثل في
الترويج الليبرالي الذي تعمل عليه بعض قوى
المعارضة "اليسارية" و"الشيوعية" ـ أو
التي كانت كذلك ـ المنضوية في إعلان دمشق
أو التي خارجه، ـ وللتذكير فإنه (إعلان
دمشق للتغيير الديمقراطي)، لا الليبرالي،
هذا ما قدم به الإعلان نفسه للناس ـ وهذا
الافتقار للبرنامج الخاص على الصعيد
الاقتصادي بالذات يحيرنا بالفعل، إذ نجد
دعوات هذه القوى للذهاب في اقتصاد السوق
إلى أقصاه لا تختلف بشيء عن اتجاه النظام
في هذا المضمار، وإذا كان سير النظام في
هذا الاتجاه الاقتصادي يؤدي أفضل النتائج
للرأسمال العسكري والأمني وما لف لفه من
رأسمالات أبناء وأقارب المسؤولين وشركائهم
التي نمت بقدرة قادر وبشكل استثنائي خاطف
وسريع اعتماداً على الفساد والنهب، ويكرس
واقع حال لا يخدم المواطن السوري بشيء،
وهو توجه نعيه ونعي مقاصده، فإن توجه بعض
قوى المعارضة المنسجم معه يقودنا إلى سؤال
عن حقيقة وخلفية وعمق رؤية المعارضة التي
تتبناها هذه القوى؟ ويثير إحساساً لدى
البعض بأن هذه المعارضة لا تعدو كونها
ثأرية على خلفية ماقبل وطنية أو شخصية،
يمكن الالتفاف عليها بدعوة هذه القوى
للانضمام إلى حلف النظام للمشاركة بالسلطة
القائمة، مع (تبويس شوارب) وتقديم تنازلات
ديمقراطية ممسوخة من قبل النظام، شكلية في
جوهرها، كالسماح بحرية انتخابية وصحفية
مبتسرة، وإيجاد قانون أحزاب يستنسخ جوقة
أحزاب عرفنا شبيهاً لها فيما يسمى (الجبهة
الوطنية التقدمية)، وينتهي عرض معارضة هذه
القوى وكفى الله المؤمنين شر القتال؟؟؟
وإذا كان في زعمنا هذا شيء من التجني،
فإننا منفتحون على سماع وجهات نظر هذه
القوى، لعل فيها ما يهدئ خواطرنا ويطمئننا
بأن إعلان دمشق الذي أبدعت المعارضة
السورية في خلقه، والذي اندفعنا ـ بعد
إقصائنا القصري ـ للانخراط فيه لن يكون
ساحة صراع حزبي، يعمل كل طرف فيه على
تأكيد ثوابته الفكرية والإيديولوجية،
والاستقطاب على برامجه الحزبية الخاصة، في
وقت نحتاج وتحتاج المعارضة السورية إلى
توافقات الحدود الدنيا التي يتطلبها العمل
الديمقراطي الوطني التشاركي أولاً وقبل كل
شيء، والتفكير ملياً في التحالفات مع قوى
لا تتمثل روح إعلان دمشق للتغيير
الديمقراطي السلمي والآمن والتدريجي
ثانياً، والانتباه ثالثاً إلى مسألة السمة
التي بدأت تسم إعلان دمشق في أنه يقود
قاطرة ليبرالية لن نركبها في أي وقت من
الأوقات.
هذا غيض من فيض هواجسنا، ولنا في الإشارة
إليه أفضل الأجر والثواب من شعبنا الذي
ينتظر منا جميعاً ما يغير حاله ويحقق
آماله.