من المعروف أن حكم
السلطنة العثمانية إتصف منذ سنواته الأولى
بطابع التسلط والفساد والدموية ، ما إنعكس
إضطرابات وحروب وفوضى عارمة في البلدان
الواقعة تحت وطأة هذا الحكم على مدى القرون
الأربعة التي إستمر خلالها هذا الحكم، وبصورة
خاصة في البلاد العربية . أما في ما يتعلق
بالحكم التركي خلال الحرب العالمية الأولى ،
فإنه كان في أيدي جمعية الإتحاد والترقي ، وهي
جمعية تدعو إلى "الترقي"، بمعنى العمل على
تحديث وتجديد الأحوال العامة في أراضي السلطنة
العثمانية ، وإلى "الإتحاد"، بمعنى السعي إلى
تحقيق مزيد من الوحدة والإندماج بين الشعوب
والبلاد المختلفة التي كانت تتالف منها
الإمبراطورية العثمانية. ولقد تمت ترجمة هذا
المسعى بالعمل على "تتريك" الشعوب غير التركية
في الإمبراطورية، أي إلى جعل هذه الشعوب تتخلى
عن حضاراتها ولغاتها الخاصة لتتحول إلى اللغة
والحضارة التركية، وبصورة خاصة الشعوب العربية
والأرمنية .
هذه الجماعة كانت قومية تركية النزعة ، وهي
مقربة إلى الجماعات الماسونية ، وتدعو إلى
تحويل السلطنة العثمانية إلى نمط الحضارة
الأوروبية الغربية ، كما أنها لم تكن بعيدة عن
الحركة الصهيونية الناشئة حينذاك ، بدليل أن
السلطات التركية المنبثقة من هذه الجمعية قد
أجازت إقامة المستعمرات اليهودية الأولى على
أرض فلسطين إعتباراً من أواخر القرن التاسع
عشر ميلادي . ويمكن القول بأن حركة مصطفى كمال
أتاتورك هي الوريثة الطبيعية "الشرعية" لهذه
الجمعية بعد الحرب العالمية الأولى.
ولقد تمت ترجمة سياسة "التتريك" خلال الحرب
بالسلاح والإبادة والتجويع ، حيث تم إرتكاب
المجازر الشهيرة بحق الأرمن والسريان ، كما
تركزت حملات ملاحقة الوطنيين بصورة خاصة على
الذين كانوا يعملون على بعث الحضارة العربية.
وفي المجال الإقتصادي فلقد إتبع جمال باشا
السفاح سياسة "تجويع" مركزة لمناطق جبل لبنان
تمثلت بصورة خاصة بإحتكار السلطات التركية
لتجارة المواد الغذائية ، وبمنع إستيراد جبل
لبنان للحبوب من مناطق الداخل السوري. بكلام
آخر، فإن أقل ما يمكن وصف الحكم العثماني في
البلاد العربية أنه كان حكم ظالم قد يكون يعمل
لمصلحة الأمة التركية ، ولكنه وبكل تأكيد يعمل
ضد مصلحة الشعوب العربية. إشارة هنا إلى أن
الأتراك كانوا يحتقرون العرب إحتقاراً فظيعاً
ويصفونهم ب"بيس عرب"، أي العرب الأقذار. كما
أنهم كانوا يمارسون سياسة "فرق تسد" بأبشع
مظاهرها بحق الشعوب العربية ، مع الإعتماد
بصورة خاصة على سلاح التفرقة الدينية
والمذهبية ، علماً بأن معظم المشاكل الطائفية
التي تعاني منها البلاد العربية في أيامنا
الحاضرة قد حصلت كتنيجة مباشرة لسياسات
التفرقة هذه ، وهي سياسات واصلت سلطات
الإنتداب الفرنسي والبريطاني تطبيقها بعد
الأتراك... ( نديم عبده ) .
شهداء السادس من أيار هم أحد كواكب النضال
التي أضاءت الطريق أمام هذه الأمة فإنهم لم
يكونوا أول تلك الكواكب ولا آخرهافلطالما قدمت
أمتنا العربية آلاف الشهداء لمواجهة حملات
الاستعمار لوطننا العربي منذ القدم وحتى يومنا
الحاضر.
ومع أن سيرة الشهداء في الأرض العربية لم تبدأ
في السادس من أيار باعتبار أن الشهادة بدأت مع
بداية التاريخ العربي وارتبطت دائماً بالدفاع
عن الكرامة والقيم والحق والعدل والأرض ، إلا
أن ما قدمه شهداء السادس من أيار ، 1916 اعتبر
وللمعاني التي حملها تخليداً لجميع الشهداء
الذين سبقوا تلك الفترة والشهداء الذين سقطوا
في ساحات الشرف في المراحل النضالية اللاحقة ،
لما كان لاستشهادهم من معان عميقة ودلالات
واضحة في تاريخ سورية والعرب.. لقد كان السادس
من أيار مقدمة لسلسلة طويلة من بطولات الشهادة
خلدتها ذاكرة الأجيال . في السادس من أيار
عيد الشهداء مناسبة يستحضر فيها الوطنيين
العبر والدروس والتجارب السابقة، التي تؤكد
بان النصر حليف الشعوب المناضلة وبان الاحتلال
البغيض مهما بلغ من قوة وشراسة وقتل وارهاب
فهو الى زوال فالحرية والاستقلال كان ضريبتهما
دوما دماء المقاتلين الاحرار من ابناء الشعب
الذين استشهدوا في معارك الشرف وهم يواجهون
الاحتلال والاضطهاد حتى تبقى راية الوطن
وعروبة الامة مرفوعة خفاقة .
السادس من ايار، ذكرى قرار الوالي التركي الذي
عين حاكما على سوريا ولبنان والبلاد العربية ،
جمال باشا المعروف بالسفاح ، بإعدام وشنق عدد
من الوطنيين العرب في دمشق وبيروت ، في السادس
من ايار عام 1916 بعد توجيه تهمة خيانة الدولة
التركية " الباب العالي" والاتصال بجهات
اجنبية والعمل على فصل البلاد العربية عن
الدولة العثمانية ، ومطالبتهم بتحرر العرب
وبناء الدولة العربية الموحدة ، فكان قرار
جمال باشا بإعدام 14 مناضلا شنقا في ساحة
البرج في بيروت وثلاثة وعشرين مناضلا علقت
مشانقهم في ساحة المرجة في دمشق التي أصبحت
تعرف باسم ساحة الشهداء ، الا ان هذا اليوم
بالنسبة للشعب السوريين هو عيدا لملاحم
البطولة والفداء والتضحية ، هو وقفة لنا جميعا
تنحني بها هاماتنا خشوعا وإجلالا الى مسيرة
الشهداء الخالدين الذين نقشوا اسم سوريا عبر
السنين على صفحات التاريخ المشرقة الخالدة .
فهم الخالدين ، الذين ضحوا بأرواحهم ودمائهم
من اجل أن تحيا الأجيال حرة من بعدهم ، وجعلوا
الوطن أغلى من الحياة نفسها ، فهل هناك ملاحم
أسمى وأعظم من ملاحمهم البطولية . لم يكن
شهداءالسادس من أيار الذين علّقوا على أعواد
المشانق سوى قافلة من قوافل أمتنا العربية على
طريق الكفاح القومي من أجل السيادة والكرامة
وأقاموا علاقة ربطت ماضي أمتنا بحاضرها ،
حينما واجهوا الموت بشجاعة وقدموا أرواحهم
قرابين للوطن وميزة الاستشهاد الذي حدث في
السادس من أيار أنه أسس لعصر الشهادة في
التاريخ العربي الحديث ، وتحوّل استشهادهم إلى
قوة دفع ثورية سمت بمفهوم الموت إلى قداسة
الهدف . وإذا كان شهداء السادس من أيار مقدمة
للتحرر من الاستعمار العثماني ، فإن الذاكرة
خلدت الشهداء الذي خاضوا معارك عنيفة ضد
الاستعمار على مدى عقود حيث قدم يوسف العظمة
مع رفاقه الأبطال أرواحهم دفاعاً عن الأرض
والكرامة واستمر ذلك في معارك الثورة السورية
في جميع المدن السورية من دمشق وغوطتها إلى
السويداء والقنيطرة وحوران وحلب وإدلب
واللاذقية حيث قدم فيها المقاومون أسمى آيات
البطولة بتكريسهم الشهادة طريقاً إلى حرية
الوطن واستقلاله .
تاريخ السادس من أيار، أصبح عندنا اليوم
سـوادس وسـواديس كثيرة ، فباتت السنة كلها
السادس من أيار لكثرة المجازر والقتل
والتصفيات والحرق والإعدامات بمحاكماتٍ
وغيرها، تعتبر فيها محاكمات شهداء 6 أيار
الصورية محاكمات عادلةٌ عادلة بل محكمة عدلٍ
دولي . فالكثير الكثير ممن قتلوا وأعدموا في
شام ستان وفي عهود مابعد جمال باشا لم يحظوا
بمحاكماتٍ لأكثر من خمسة دقائق هذا لمن كان
محظوظاً، وقد لايحاكمون اختصاراً في الوقت
ويصدر الحكم عليهم بالجملة من قيعان مكاتب
جمالٍ ما. وهذا الكلام ليس إنشاءً بل الشواهد
شاهدة على آلاف الأحداث والأشخاص، وسيقول
التاريخ كلامه ، ولتعلمن نبأه ولو بعد حين.
أما أن يعتب على الناس من يعتب ، أن هؤلاء
الشهداء ممن نقدر ونجلّ باتت أسماؤهم منسيةً،
وأصبحت ذكراهم مطوية، وبات الحديث عنهم شيئاً
من الماضي، فإنا إلى أرواح هؤلاء الكرام
نعتذر، وهم رمز للبطولة والفداء والتضحية،
وقدوة لرفض الاستبداد والظلم ونبعث لهم
دعواتنا بالرحمة ونعلمهم أن ماكان من أهوالٍ
بعدهم ألهانا عمّا واجهوه في محاكمات قيل أنها
صورية، وإعدامات اعتبرت جماعية على يد جمال
باشا.
يوم يقتل في ساعة من نهار مئات من أحرار الفكر
وأطهار النفس ومن دون محاكماتٍ حتى صورية ،
ويكونون أضعافاً مضاعفة عمن علقوا في ساحتي
المرجة والبرج ، فماذا نقول عن ذلك اليوم
وتلكم الساعة!!؟
ويوم يقتل في ساعةٍ من ليلٍ بل أقل قرابة ألف
رجل من علماء الأمة وأشرافها قتلاً جماعياً
وهم أسرى لدى باشا من الباشاوات ومن دون سؤال
، ولتكون مجزرة قتل جماعي لأناس أسـرى ،
وسجناء رأي وفكر من أكبر مجازر القتل الجماعي
في القرن العشرين ، فماذا نقول عن هذه المحاكم
ويماذا نصف هذه الإعدامات!!؟ ( بدر الدين قربي
) .
الخاتمة :
الباحث السوري محمد عماد حمودة يقول : هل
قدرنا نحن أمة يعرب أن نعلق على أعواد المشانق
ونذبح على شطآن دجلة والفرات على هضاب الضفة
ورمال غزة وأن ننتظر موتنـا ومصرعنا على جداول
الموت الصامتة على هضاب الجولان وتلال الجنوب
والشاطئ الشرقي لنهر الأردن ورمال سيناء
فالموت قادم رغم اتفاقات واتفاقيات فكلها
ككثيب رمل تختبئ تحته صهيونية ماكرة كأفعى
صابرة تنتظر لحظة غادرة لتلتهم ضحية أكبر منها
حجما وأقل منها فعلا ... ؟
في كل يوم شهيد وشهيدة بين الخليج والمحيط وفي
كل يوم يخرج معتقل ليدخله العشرات سواء كان
ذلك على أبدي صهيون وأيدي أجلاف العم سام في
فلسطين والعراق دون أن ننسى المعتقلين على
أيدي أبناء عمومتنا من حكامنا وسادتنا من
أخوتنا من لحمنا ودمنا تحت شعار لاصوت يعلـــو
فوق صـوت المعـركـة وشعار الحفـاظ عـلى السـلم
الأهلـي وشعار مكتسـبـات الثــورة وشعار العرش
أبقى من الشـعوب .... إلى ماهنالك من شـعارات
ابتدعهـا العقل العربي وعجزت أعمالنا وأفعالنا
عن تحقيقها وانجازها ...... فارتدت علينا
لتطوق أحلامنا وأمالنا كمسلسل بوليسي طويل !
ذكرى السادس من أيار تذكرنا بأعواد المشانق
التي تشرفت بحمل أجساد الشهداء بأمر من جمال
باشا السفاح وكم من جمال فينا يأمر بتعليق
أرواحنا وأحلامنا وآمالنا في المشاركة والحوار
والوجود والاختلاف والأنسنة ........ شهداء
السادس من أيـار رغم قلـة عددهم وجدوا أمة
تبكي عليهم وتقف لذكراهم....... أما نحن العرب
اليوم فكثرة لايحسب لها حساب لافي الداخل
ولافي الخارج فهل سنجد يوما من يبكينا أويقف
لذكرانا ؟
الكاتب السوري بدر الدين حسن قربي يقول :
عفواً شهداء المرجة إن قصرنا ببعض واجبكم فلقد
بات عندنا مُرَجٌ ومُرَج، وكثرت علينا
الواجبات فما عدنا نعرف أيها الأوجب ، وعفواً
شهداء البرج فلقد تكاثرت علينا الأبراج فما
عدنا نعرف أيَّها ننسى وأيَّها نتذكر.
وأما أنت يا صاحب المرجة والبرج!! فلقد كنت إذ
كنت، ولكن جاء من بعدك سفاحون كثر ليؤكدوا أنك
لم تكن إلا سفاحاً صعلوكاً في مدرستهم، فلئن
حصلت بقتلك لاثنين وثلاثين رجلاً على لقب
السـفاح وهم الذين لايقبل الواحد منهم أن تضع
برقبته أقل من ألفٍ مما يعد الناس من الرجال،
إذا فكم سـفاحٍ يكون الواحد منهم!!؟
الرحمة والمغفرة والرضوان لشهداء 6 أيار
المشهد الذي يتكرر كل يوم، فيقدمون أرواحهم من
أجل كلمة حرةٍ وموقف شجاع، ويرفضون الذل
والهوان والخنوع لقيم القمع والاستبداد
والفساد من الهباشين والمفسدين والمستبدين.
الرحمة والمغفرة والرضوان لكل من يقول كلمة
الحق في وجه الظلمة والظالمين والفاسدين
والمفسدين والمتاجرين بأرواح الناس ولقمة
عيشهم.
الويل والذل، والهوان والشقاء لكل أعداء
الإنسان وقيم الإنسانية في الحياة الكريمة
للإنسان والتعبير الحر عن رأيه في شؤون حياته
ومعاشه. الويل والتعاسة لكل الفاسدين
والمفسدين والمستبدين من سلالة جمال باشا
وجنسه، الويل لهم والثبور من غضبة الشعوب ومن
حساب المنتقم الجبار. والعار كل العار لمن طمس
ذكرى شهداء 6 أيار بأهوال ماارتكب من مجازر،
وبآلاف مااقترف من أصناف القتل، والويل
والثبور للسفاحين صغارهم في الأقبية وكبارهم
ممن يعلمونهم السحر في القصور.
إن شهداء فلسطين والعراق اليوم وشهداء سورية
والجزائر ومصر بالأمس كانوا على الدوام
النبراس الذي ينير لأمتنا العربية طريق خلاصها
، والكنز الذي تستمد منه أجيال هذه الأمة صفات
الشجاعة والإباء فهم من جادوا بأغلى ما يملك
الإنسان في هذه الحياة ليعيش أبناء وطنهم
أحراراً كراما ً. إن الشهادة أكبر من كل
الكلمات وأكثر دلالة من كل البلاغات وقد تكون
اللغة على رحابتها عاجزة عن استيعاب معانيها
وأبعادها وجلال عظمتها ، إنها قيمة القيم ورمز
النقاء والارتقاء إلى عوالم الخلود الأبدي .
إعداد مسؤول التحرير – تجمع الأحرار الوطني
الديمقراطي 6/5/2007